امامة الالثغ في الصلاة ، بين رحمة الشريعة وضوابط الفقهاء
امامة الالثغ في الصلاة ، بين رحمة الشريعة وضوابط الفقهاء

- نبذة مختصرة
تتناول هذه المقالة مسالة فقهية دقيقة تتعلق بصحة امامة الالثغ في الصلاة، وهو من يعجز عن النطق السليم لبعض الحروف بسبب عيب خلقي في لسانه. وقد تباينت اراء الفقهاء في هذه المسالة تباينا واضحا بين المذاهب الاربعة، في ضوء جملة من الادلة الشرعية والضوابط الفقهية التي تراعي العجز والاضطرار من جهة، وصون القران الكريم وحرمة الصلاة من جهة اخرى.
- اولا: تعريف الالثغ لغة واصطلاحا
في اللغة: الالثغ هو من يتحول لسانه من حرف الى حرف غيره، كان يجعل السين ثاء، او الراء غينا. وهو مأخوذ من اللثغة وهي حبسة في اللسان وتعذر في النطق.
في الاصطلاح الفقهي: هو من تحول لسانه من حرف الى حرف بسبب علة خلقية او مكتسبة، ويجب عليه تقويم لسانه ومحاولة النطق بالحرف صحيحا بكل ما في وسعه.
وثمة فروق دقيقة بين الالثغ وغيره، فالارت هو الذي يلحقه في اول كلامه ريح فيتعذر عليه فاذا تكلم انطلق لسانه. والتمتام من يكرر حرف التاء. والفأفاء من يكرر حرف الفاء. وكل من هؤلاء له حكمه الخاص الذي يجري في بعض جوانبه مجرى حكم الالثغ.
- ثانيا: اهمية المسالة وسبب الاهتمام بها
ان مسالة امامة الالثغ ليست ترفا فقهيا، بل هي حاجة واقعية تمس حياة كثير من المسلمين. وقد اعتنى الفقهاء بها لان صحة الامامة مرتبطة بصحة القراءة، وصحة القراءة شرط في صحة الصلاة.
قال الله تعالى: فاقرؤوا ما تيسر من القران - سورة المزمل: 20
وقال سبحانه: لا يكلف الله نفسا الا وسعها - سورة البقرة: 286
وفي هاتين الايتين الكريمتين اصلان عظيمان: اعتبار اليسر ورفع الحرج عن العاجز، وهما الركيزتان اللتان بنى عليهما الفقهاء المجيزون حكمهم.
- ثالثا: الاحوال التي يفرق بها الفقهاء في حكم الالثغ
الحالة الاولى: من كان عجزه خلقيا لا يقبل التعليم ولا يمكنه الاصلاح اصلا.
الحالة الثانية: من كان عجزه قابلا للاصلاح، لكنه بذل الجهد واجتهد فلم يستطع.
الحالة الثالثة: من قدر على الاصلاح لكنه قصر واهمل ولم يبذل الجهد المطلوب.
وعلى هذا التقسيم تتفرع الاحكام، فالعاجز عجزا خلقيا معذور شرعا، والمجتهد الذي يبذل وسعه محمود، اما المقصر القادر فتبطل صلاته وامامته باتفاق.
- رابعا: اراء المذاهب الفقهية الاربعة
مذهب الحنفية
يرى الحنفية ان الالثغ العاجز تصح امامته لمثله دون القادرين على النطق الصحيح، مع اشتراط بذل الجهد في الاصلاح. ومن خصائص مذهبهم ان قراءة الفاتحة بعينها ليست فرضا عندهم، فاذا قرا الالثغ موضعا صحيحا من القران غير الفاتحة صحت صلاته.
مذهب المالكية
انفرد المالكية بأوسع الاقوال، اذ اجازوا امامة الالثغ في الجملة. وحاصل المسالة عندهم ان اللاحن ان كان عامدا بطلت صلاته وصلاة من خلفه، وان كان ساهيا صحت باتفاق، وان كان عاجزا طبعا لا يقبل التعليم صحت ايضا. وارجح الاقوال في الجاهل الذي يقبل التعليم صحة صلاة من خلفه، وهو ما نقله ابن رشد واللخمي.
مذهب الشافعية
يذهب الشافعية الى ان الالثغ العاجز تصح صلاته لكن لا تصح امامته لاصحاء النطق، بل تصح لمثله فحسب. وقد بنوا هذا على ان قراءة الفاتحة ركن في الصلاة عندهم، وان الحرف المقلوب يعد حرفا اجنبيا لا يحل محل الاصيل.
مذهب الحنابلة
يتفق الحنابلة مع الشافعية في اصل المسالة، فيرون ان الالثغ لا تصح امامته لاصحاء النطق. اما العاجز الذي استنفد وسعه فهو معذور وصلاته لنفسه صحيحة.
- خامسا: الادلة الشرعية والمناقشة
ادلة القائلين بعدم صحة الامامة
**الدليل الاول:** ان صحة الصلاة مشروطة بصحة القراءة، وقراءة الحرف المبدل ليست قرانا حقيقيا فيكون المأموم مقتديا بمن لم تصح صلاته.
قال صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله - رواه مسلم
**الدليل الثاني:** هذا الحديث يدل على ان الامامة منوطة بالاقراء، والالثغ ليس اقرا القوم بالمعنى المطلوب.
**الدليل الثالث:** سد الذريعة، اذ لو فتح الباب لكل ذي عجز لافضى ذلك الى تساهل في امانة الامامة.
ادلة القائلين بصحة الامامة
قال الله تعالى: لا يكلف الله نفسا الا وسعها - البقرة: 286
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذا امرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم - متفق عليه
وهذان الدليلان متينان في باب العذر، لان الالثغ لم يختر عجزه بل هو مبتلى به من غير اختيار، والله سبحانه لا يكلف نفسا الا وسعها.
- سادسا: الراجح من الاقوال والتطبيق المعاصر
بعد استعراض اقوال الفقهاء وادلتهم، يتبين ان الراجح والله اعلم هو التفصيل الاتي:
**اولا:** من كان عجزه خلقيا لا يمكن تصحيحه، فصلاته صحيحة وامامته صحيحة لمثله، وتكره امامته لصحاح النطق مع وجود غيره.
**ثانيا:** من كان يمكنه التصحيح ببذل الجهد والتعلم، فيجب عليه السعي الى ذلك، فان اهمل وقدر ولم يفعل فلا تصح صلاته ولا امامته.
**ثالثا:** صلاة الامام الالثغ صحيحة مع كراهة امامته اذا وجد غيره اهلا للامامة ويستقيم نطق لسانه، ما لم يكن اماما راتبا.
- سابعا: خاتمة وتوجيه
ان هذه المسالة تكشف عن سمة جليلة من سمات الفقه الاسلامي، وهي مراعاة حال الانسان المبتلى دون اهمال لضوابط العبادة وحرمة القران الكريم. وقد احسن الفقهاء حين فرقوا بين العاجز والمقصر فاعذروا العاجز وحاسبوا المقصر.
وعلى المسلم الذي يعاني من لثغة ان يبذل قصارى جهده في تصحيح لسانه، وان يستعين بمعلمي التجويد والاطباء ان امكن، فان عجز بعد بذل الجهد فليطمئن قلبه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: الذي يقرا القران وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق له اجران - متفق عليه
وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للمبتلى الذي يكابد العجز اللساني ومع ذلك يقبل على القران بكل ما اوتي من طاقة، فله فوق الاجر الواحد اجر المعاناة والمشقة، وذلك من فضل الله العظيم.
والله اعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين