دُسْتُورُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.. العَبْقَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فِي التَّأْسِيسِ لِقِيَمِ المُوَاطَنَةِ وَالتَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ

دُسْتُورُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.. العَبْقَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فِي التَّأْسِيسِ لِقِيَمِ المُوَاطَنَةِ وَالتَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

دُسْتُورُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.. العَبْقَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فِي التَّأْسِيسِ لِقِيَمِ المُوَاطَنَةِ وَالتَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ

 

image about دُسْتُورُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.. العَبْقَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فِي التَّأْسِيسِ لِقِيَمِ المُوَاطَنَةِ وَالتَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ

نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ:

 يُسَلِّطُ المَقَالُ الضَّوْءَ عَلَى وِثِيقَةِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ كَأَوَّلِ دُسْتُورٍ مَدَنِيٍّ نَظَّمَ العَلَاقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَالسِّيَاسِيَّةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، مُبَيِّناً عَبْقَرِيَّةَ المَنْهَجِ النَّبَوِيِّ فِي بِنَاءِ الدَّوْلَةِ المَدَنِيَّةِ العَادِلَةِ.

السِّيَاقُ التَّارِيخِيُّ وَالحَاجَةُ إِلَى التَّنْظِيمِ

لَمْ يَكُنِ الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ المُبَارَكَةُ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ مُجَرَّدَ انْتِقَالٍ مَكَانِيٍّ لِلْهَرَبِ مِنْ بَطْشِ قُرَيْشٍ، بَلْ كَانَتْ خُطْوَةً اسْتْرَاتِيجِيَّةً مَدْرُوسَةً لِتَأْسِيسِ نَوَاةِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ الأُولَى، وَعِنْدَمَا وَصَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَثْرِبَ، وَجَدَ مُجْتَمَعاً مُعَقَّداً يَتَكَوَّنُ مِنْ أَعْرَاقٍ وَدِيَانَاتٍ وَقَبَائِلَ مُتَنَاحِرَةٍ، حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَإِلَى جَانِبِهِمْ قَبَائِلُ اليَهُودِ المُلْتَزِمَةِ بِحُصُونِهَا، وَبَقَايَا المِشْرِكِينَ، وَكَانَتِ الحُرُوبُ القَبَلِيَّةُ مِثْلَ مَعْرَكَةِ "بُعَاثَ" قَدْ أَنْهَكَتِ الجَمِيعَ، وَمِنْ هُنَا بَرَزَتِ العَبْقَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فِي ضَرُورَةِ إِيجَادِ إِطَارٍ قَانُونِيٍّ صَارِمٍ يَجْمَعُ هَذِهِ الأَطْيَافَ المُنْفَصِلَةَ ضِمْنَ مَفْهُومٍ وَاحِدٍ يَقُومُ عَلَى السَّلَامِ وَالعَدْلِ وَسِيَادَةِ القَانُونِ.

المُؤَاخَاةُ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ كَأَسَاسٍ لِلْجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ

بَدَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَقْوِيَةِ الجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خِلَالِ خُطْوَةٍ عَمَلِيَّةٍ فَرِيدَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا التَّارِيخُ التَّشْرِيعِيُّ مِنْ قَبْلُ، وَهِيَ المُؤَاخَاةُ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ فِي مَكَّةَ وَبَيْنَ الأَنْصَارِ أَهْلِ المَدِينَةِ، حَيْثُ حَوَّلَ هَذَا الرِّبَاطَ النَّبَوِيَّ العَلَاقَاتِ القَبَلِيَّةَ العَصَبِيَّةَ إِلَى أُخُوَّةٍ عَقَدِيَّةٍ مَتِينَةٍ تَقُومُ عَلَى التَّكَافُلِ المَادِّيِّ وَالدَّعْمِ النَّفْسِيِّ الكَامِلِ، مِمَّا أَذَابَ الفَوَارِقَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَأَسَّسَ لِكُتْلَةٍ بَشَرِيَّةٍ صَلْبَةٍ وَمُتَمَاسِكَةٍ تَكُونُ قَادِرَةً عَلَى اسْتِيعَابِ التَّحَدِّيَاتِ الخَارِجِيَّةِ وَالتَّفَرُّغِ لِبِنَاءِ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ النَّاشِئَةِ بِتَنَاغُمٍ وَإِخْلَاصٍ.

صِيَاغَةُ الوِثِيقَةِ وَتَرْسِيخُ مَفْهُومِ الأُمَّةِ المَدَنِيَّةِ

كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَاباً بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ المَدِينَةِ وَعَاهَدَهُمْ، وَهُوَ مَا عُرِفَ بِـ "وَثِيقَةِ المَدِينَةِ"، وَقَدْ جَاءَ فِي بَنْدِهَا الأَوَّلِ نَصٌّ شَرْعِيٌّ دُسْتُورِيٌّ بَلِيغٌ: "إِنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ"، وَهَذَا الإِعْلَانُ النَّبَوِيُّ مَثَّلَ ثَوْرَةً فِي الفِكْرِ السِّيَاسِيِّ، حَيْثُ نَقَلَ الوَلَاءَ مِنَ القَبِيلَةِ وَالدَّمِ إِلَى المَجْمُوعِ وَالوَطَنِ المُشْتَرَكِ، وَجَعَلَ جَمِيعَ سُكَّانِ المَدِينَةِ، بِاخْتِلَافِ أَدْيَانِهِمْ، رَعَايَا فِي دَوْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَتَسَاوَى فِيهَا الحُقُوقُ وَالوَاجِبَاتُ أَمَامَ سِيَادَةِ المَجْلِسِ التَّشْرِيعِيِّ الأَعْلَى لِلدَّوْلَةِ.

ضَمَانُ الحُرِّيَّةِ الدِّينِيَّةِ لِغَيْرِ المُسْلِمِينَ

تَجَلَّتْ سَمَاحَةُ الإِسْلَامِ وَعَدَالَتُهُ النَّبَوِيَّةُ فِي البُنُودِ الَّتِي نَظَّمَتْ حُقُوقَ اليَهُودِ وَغَيْرِ المُسْلِمِينَ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ، حَيْثُ نَصَّتِ الوِثِيقَةُ صَرَاحَةً عَلَى أَنَّ: "لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ"، وَهَذَا التَّقْنِينُ الدُّسْتُورِيُّ الصَّرِيحُ أَرْسَى قَاعِدَةً كُبْرَى فِي حُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ وَمُمَارَسَةِ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ دُونَ خَوْفٍ أَوْ اضْطِهَادٍ، مِمَّا جَعَلَ غَيْرَ المُسْلِمِينَ يَشْعُرُونَ بِالأَمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَدُورِ عِبَادَتِهِمْ، وَدَفَعَهُمْ لِلِانْدِمَاجِ الإِيجَابِيِّ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ الجَدِيدِ وَالِالْتِزَامِ بِالقَوَانِينِ العَامَّةِ المُنَظِّمَةِ لِلْحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ.

الدِّفَاعُ المُشْتَرَكُ وَمَسْؤُولِيَّةُ حِمَايَةِ الوَطَنِ

لَمْ تَقْتَصِرِ الوِثِيقَةُ عَلَى تَنْظِيمِ الحُقُوقِ الفَرْدِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ حَدَّدَتْ بِدِقَّةٍ مَسْؤُولِيَّةَ الدِّفَاعِ المُشْتَرَكِ عَنِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ ضِدَّ أَيِّ عُدْوَانٍ خَارِجِيٍّ، حَيْثُ نَصَّ الدُّسْتُورُ النَّبَوِيُّ عَلَى أَنَّ: "بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَنَّ عَلَى اليَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى المُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ، وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ"، وَهَذَا البَنْدُ العَسْكَرِيُّ وَالِاقْتِصَادِيُّ أَلْزَمَ جَمِيعَ الأَطْرَافِ بِالتَّكَاتُفِ لِحِمَايَةِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ لِلْمَدِينَةِ، وَمَنَعَ التَّحَالُفَ مَعَ الأَعْدَاءِ مِثْلَ قُرَيْشٍ، مِمَّا جَعَلَ حِمَايَةَ الأَرْضِ وَالدِّفَاعَ عَنْهَا مَسْؤُولِيَّةً جَمَاعِيَّةً تَتَخَطَّى الخِلَافَاتِ العَقَدِيَّةَ.

مَرْجَعِيَّةُ القَانُونِ وَقِيمَةُ الوِثِيقَةِ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ

أَنْتَجَتْ هَذِهِ الوِثِيقَةُ النَّبَوِيَّةُ نِظَاماً قَضَائِيّاً عَادِلاً جَعَلَ المَرْجَعِيَّةَ العُلْيَا عِنْدَ الخِلَافِ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، مِمَّا مَنَعَ الثَّأْرَ القَبَلِيَّ وَأَرْجَعَ الحُقُوقَ لأَصْحَابِهَا بِقُوَّةِ القَانُونِ لَا بِقُوَّةِ السِّلَاحِ، إِنَّ دِرَاسَةَ وَثِيقَةِ المَدِينَةِ فِي العَصْرِ الرَّقْمِيِّ الحَدِيثِ تُؤَكِّدُ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ أَنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ تَمْتَلِكُ أَعْمَقَ النَّمَاذِجِ التَّشْرِيعِيَّةِ المُرَسِّخَةِ لِقَبُولِ الآخَرِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ دَوْلَةَ الإِسْلَامِ قَامَتْ مُنْذُ لَحْظَتِهَا أُولَى عَلَى مَفَاهِيمِ المِيثَاقِ المَدَنِيِّ، وَالعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالتَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ، مِمَّا يَجْعَلُهَا مَنَارَةً حَيَّةً تَهْتَدِي بِهَا الأُمَمُ لِبِنَاءِ جَسُورِ السَّلَامِ وَالإِنْسَانِيَّةِ.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.96 من 5.
المقالات

237

متابعهم

531

متابعهم

3379

مقالات مشابة
-