شقُّ الصدر.. حين تتجاوز الحكايةُ الخيالَ وتُصبح معجزةً للعقول

شقُّ الصدر.. حين تتجاوز الحكايةُ الخيالَ وتُصبح معجزةً للعقول

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

شقُّ الصدر.. حين تتجاوز الحكايةُ الخيالَ وتُصبح معجزةً للعقول

 

 

image about شقُّ الصدر.. حين تتجاوز الحكايةُ الخيالَ وتُصبح معجزةً للعقول
  •  نبذة مختصرة


واقعة شقّ الصدر من أكثر الأحداث إثارةً للتساؤل في السيرة النبوية — فكيف لطفل في الصحراء أو رجل على أعتاب رحلة السماء أن يُفتح صدره ويُغسل قلبه ثم يُعاد كما كان؟ هذا المقال ليس مجرد سرد للحادثة، بل هو رحلة في أعماق دلالاتها العقدية والروحية، وإجابة لمن سأل: لماذا؟

  • أولاً: قبل أن تقرأ — تخيَّل هذا المشهد

طفلٌ صغير في صحراء الجزيرة العربية، يرعى الغنم مع أترابه بعيداً عن أهله، فجأةً يُخطف من بينهم، يُوضع على الأرض، يُفتح صدره، يُستخرج شيءٌ من قلبه، يُغسل في طستٍ من الذهب، ثم يُعاد مكانه...
والطفلُ حيٌّ يرزق، لا ألمَ ولا جرح!

هذا ليس مشهداً من رواية خيالية — هذا ما رواه النبيُّ ﷺ عن نفسه.

  •  ثانياً: كم مرة شُقَّ الصدر؟ (وهنا يغفل كثيرون)

يظنُّ كثيرون أن القصة مرةٌ واحدة، والحقيقة أن العلماء ذكروا أنها تكررت **ثلاث مرات أو أربعاً:**

المرة الأولى: في طفولته ﷺ وهو عند حليمة السعدية
رواها مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه

المرة الثانية: قُبيل البعثة النبوية

المرة الثالثة: ليلة الإسراء والمعراج
 أخرجها البخاري ومسلم، وهي الأشهر والأثبت

قال أنس بن مالك رضي الله عنه:
*"أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقةً، فقال: هذا حظُّ الشيطان منك، فغسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعاده في مكانه"*
 — **رواه مسلم (162)**

  • ثالثاً: العلقة السوداء — ماذا كانت؟

هذا هو السؤال الأكثر إثارةً للجدل.

استخرج جبريلُ من قلبه ﷺ **علقةً سوداء** وقال: *"هذا حظُّ الشيطان منك"*.

 ماذا قال العلماء؟
- قال **ابن القيم رحمه الله:** هي المادة التي يتسلط منها الشيطان على بني آدم، وهي منبع الهوى والوسواس
- قال **النووي:** هي كناية عن تطهير قلبه من كل شائبة بشرية يمكن أن يتسلل منها إبليس
- وقال بعض المحققين: إنها الإشارة إلى أن النبي ﷺ طُهِّر تطهيراً استثنائياً لم يُطهَّر به بشرٌ سواه، تهيئةً لحمل الوحي والتواصل مع السماء

الدلالة العقدية:
هذه العملية ليست استئصال مرض — إنها **تنصيبٌ إلهي**، كما يُعدُّ الملوكُ قبل تتويجهم. اختار الله نبيَّه وهيَّأ قلبه ليكون وعاءً للوحي لا يختلط فيه الإلهيُّ بما يعكِّر صفوه.

  • رابعاً: لماذا يتوقف البعض عند هذه الواقعة؟

يقول المشككون: "كيف يُشقُّ صدرٌ ثم يُعاد ولا أثر؟"

والجواب من ثلاثة وجوه:

**أولاً — من باب العقيدة:**
الذي خلق الجسد قادرٌ على إعادته كما كان. ومن آمن بأن الله خلق الكون من عدم، فكيف يستغرب أن يرأب صدراً؟
> قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ — **يس: 81**

**ثانياً — من باب السيرة:**
شهود الحادثة الأولى من الأطفال رأوا أنساً — راوي الحديث — يُعدَّل به وعلى وجهه أثر الفزع، وهو ما يثبت حقيقة الواقعة في وعيهم

**ثالثاً — من باب الإعجاز:**
المعجزات بطبيعتها تتجاوز السنن المعتادة، ولو جرت على قوانين البشر لما كانت معجزات

  • خامساً: ماذا كان على قلبه بعدها؟ (الأثر الحقيقي)

المعجزة الأكبر ليست في الشق والإعادة — بل فيما أنتجه ذلك القلب بعدها:

- قلبٌ لم يسجد لصنم قط في زمن كانت الأصنام في كل بيت
- قلبٌ حَمَل أمانةَ الوحي عشرين سنة دون اختلاط أو تحريف
- قلبٌ وصفه الله بقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ — **النجم: 11**
- قلبٌ عُرضت عليه كنوز الأرض فآثر التواضع

قال ﷺ: *"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"* — **متفق عليه**

وكان قلبُه ﷺ أصلح القلوب، لأنه طُهِّر بما لم يُطهَّر به قلبٌ سواه.

  • سادساً: الإسراء والمعراج — لماذا شُقَّ الصدر مرةً أخرى؟

في ليلة الإسراء، قبل الصعود إلى السماوات العُلا، شُقَّ الصدر مرةً أخرى وغُسل بماء زمزم.

والحكمة — كما ذكرها العلماء — أن هذا كان **تحضيراً روحياً وجسدياً** لرحلة لم يقطعها بشرٌ من قبل ولا من بعد، كمن يُعقَّم الجسد قبل دخول أقدس الأماكن.

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ — **الشرح: 1**

وقال المفسرون: شرح الصدر هنا يشمل المعنى الحقيقي والمجازي معاً — فُتح صدره حقيقةً، وفُتح عقله وروحه لاستيعاب ما لا يستوعبه بشر.

  •  خاتمة: ماذا تعني هذه الواقعة لنا اليوم؟

نحن لا نستطيع أن يشقَّ أحدٌ صدورَنا ويُخرج منها حظَّ الشيطان — لكنَّ الله أعطانا بديلاً:

- **الصلاة** — تغسل القلب خمس مرات في اليوم
- **الاستغفار** — يمحو الران الذي يتراكم على القلوب
- **تلاوة القرآن** — ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ — **يونس: 57**

الفارق بيننا وبين النبي ﷺ أن قلبه طُهِّر بأمر إلهي مباشر — وقلوبنا طُهرتها شريعتُه التي جاء بها.

*"اللهم يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك"*
 — دعاء كان يُكثر منه النبي ﷺ — رواه الترمذي وصحَّحه

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت تقييم 4.96 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

194

متابعهم

516

متابعهم

3370

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-