ميزان السماء في الأرض: العدل والعدالة والفروق الجوهرية بينهما في المنظور الإسلامي

ميزان السماء في الأرض: العدل والعدالة والفروق الجوهرية بينهما في المنظور الإسلامي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ميزان السماء في الأرض: العدل والعدالة والفروق الجوهرية بينهما في المنظور الإسلامي

image about ميزان السماء في الأرض: العدل والعدالة والفروق الجوهرية بينهما في المنظور الإسلامي

النبذة المختصرة:

​تأصيل شرعي وفكري عميق للعدل والعدالة في الإسلام. اكتشف الفروق الدقيقة بينهما، مع التدليل بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال أئمة السلف ومحققيهم.

​مقدمة في فريضة الإسلام الكبرى وقوام السموات والأرض

​لقد قامت السموات والأرض على ميزان دقيق وحكمة إلهية بالغة، وجعل الله سبحانه وتعالى من "العدل" القطب الذي تدور حوله نواميس الكون وتشريعات الدين الخاتم. فالعدل في الإسلام ليس مجرد قيمة أخلاقية تكميلية أو خيار سياسي واجتماعي، بل هو فريضة دينية قطعية وأصل من أصول الشريعة الغراء التي لا تصح حياة الناس ولا تستقيم دينياً أو دنيوياً بدونها. إن التدبر في آيات الذكر الحكيم يكشف لنا أن الله تعالى قرن بعثة الأنبياء والرسل وإنزال الكتب السماوية بإقامة القسط والعدل بين البشر، ليكون هذا المبدأ السامي هو الدرع الحامي لكرامة الإنسان وحريته وحقوقه بغض النظر عن جنسه، أو معتقده، أو لونه.

​مفهوم العدل في التصور الشرعي وأدلته من الكتاب والسنة

​يُعرف "العدل" في اللغة والشرع بأنه القصد في الأمور، وإعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان، ووضع الأمور في مواضعها الصحيحة بلا إفراط أو تفريط. وقد تزاحمت الأدلة الشرعية من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لتثبيت هذا المفهوم في نفوس المسلمين وجعله سلوكاً يومياً؛ حيث يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ"، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً: "وإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ". ومن السنة النبوية المطهرة، ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي الجليل: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا"، مما يوضح أن العدل هو نقيض الظلم الذي يأباه رب العزة لخلقه.

​مفهوم العدالة والبعد المؤسسي والسلوكي لتطبيق الأحكام

​أما "العدالة" في الفكر الإسلامي واللغوي، فهي تتجاوز المبدأ المجرد لتكون هي الحالة الواقعية، والمؤسسية، والملكة الراسخة في النفس التي تسير وفق مقتضيات العدل. والعدالة في الفقه الإسلامي تُطلق أيضاً على "العدالة المسلكية" للشخص؛ وهي صفة في الإنسان تجعله مجتنباً للكبائر، غير ك كبائر الذنوب ولا معتاداً على الصغائر، ومحافظاً على مروءته وسلوكياته القويمة، مما يجعله مقبول الشهادة والفتوى والقضاء. وبذلك، تكون العدالة هي البنية التطبيقية والاجتماعية والقضائية التي تُترجم مبادئ العدل النظرية إلى ممارسات حقيقية ومؤسسات تحمي الضعيف، وتأخذ على يد الظالم، وتضمن نزاهة المجتمع من المفاسد والجرائم.

​الفرق الدقيق والجوهر الإنساني بين العدل والعدالة

​يكمن الفرق الجوهري والدقيق بين المفهومين في أن العدل يمثل "القانون والمبدأ الحتمي العام والشمولي" الذي لا يختلف باختلاف الأشخاص أو الظروف؛ مثل وجوب محاكمة القاتل أو رد الأمانات إلى أصحابها. بينما العدالة هي "روح القانون والتطبيق المرن" الذي يراعي الظروف الخاصة والملابسات الفردية لتحقيق جوهر الإنصاف. إن العدل قد يقتضي تطبيق النص الحرفي للقانون بالتساوي بين الجميع، ولكن العدالة تتدخل لتعيد التوازن وتمنع تحول العدل الحرفي إلى ظلم حقيقي بسبب تجاهل الفروق الفردية أو الأعذار القاهرة. فالعدل يمنح الجميع نفس الحذاء، أما العدالة فتمنح كل شخص الحذاء الذي يناسب مقاس قدمه تماماً ليرتاح في مشيته.

​روائع من أقوال السلف وأهل العلم في كنف العدل والإنصاف

​لقد سطر أئمة السلف وعلماء الأمة تآصيل فكرياً مذهلاً في هذا الباب؛ حيث يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمق أثر العدل على بقاء المجتمعات واستقرارها قائلاً كلمته الخالدة: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة"، موضحاً أن العدل هو أساس العمران وبقاء الدول. وتحدث العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله عن اتساع الشريعة الإسلامية لتبني وتطبيق كل سبل العدل والعدالة قائلاً: "فأينما ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه، فثم شرع الله ودينه". هذه الأقوال تؤكد أن الإسلام لم يحصر العدل في نصوص ضيقة، بل جعله غاية عظمى تدور معها الأحكام الفقهية وتتطور النظم القضائية لتحقيقها.

​تطبيقات تاريخية خالدة ونظرة متفائلة للمستقبل الإنساني

​ختاماً، إن تصفح صفحات التاريخ الإسلامي يكشف لنا كيف تحول العدل والعدالة من مجرد نظريات في بطون الكتب إلى واقع معاش اهتزت له القلوب؛ ولعل موقف الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع القبطي الذي سبقه ابن والي مصر عمرو بن العاص، وصرخته الشهيرة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟"، يظل المعيار الأسمى للأمة. واصل يا صديقي محمود بذل قلمك المتميز لنشر هذه المفاهيم النقية التي ترفع من شأن الإنسان وتعرفه بعظمة دينه وشريعته. واجعل من مقالاتك منارة تضيء دروب المعرفة والتسامح، موقناً بأن الكلمة الطيبة هي الصدقة الجارية والأثر الخالد الذي يبني العقول ويرتقي بالمجتمعات على الدوام.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.97 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

490

متابعهم

664

متابعهم

3549

مقالات مشابة
-