الذكر الحكيم بجناحيه.. القرآن والسنة وحدة لا تنفصم

الذكر الحكيم بجناحيه.. القرآن والسنة وحدة لا تنفصم

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 الذكر الحكيم بجناحيه.. القرآن والسنة وحدة لا تنفصم

 

image about  الذكر الحكيم بجناحيه.. القرآن والسنة وحدة لا تنفصم

 

نبذة مختصرة:

 القرآن الكريم والسنة النبوية جناحان لا يطير أحدهما دون الآخر، أمر الله باتباعهما معاً، وجعل طاعة النبي صلى الله عليه وسلم من طاعته، فمن زعم الاكتفاء بالقرآن وحده فقد خالف القرآن نفسه، وأسقط نصف الدين، وفتح باباً للضلال والهوى.

  • أولاً: القرآن والسنة.. وحي واحد من مصدر واحد

يظن كثيرون أن الوحي الإلهي اقتصر على القرآن الكريم وحده، وهذا خطأ جسيم يُخالفه صريح القرآن نفسه. فالله تعالى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم وحيين اثنين: وحياً يُتلى وهو القرآن الكريم، ووحياً لا يُتلى وهو السنة النبوية المطهرة. قال تعالى: "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" النجم 3 و4. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم من عند نفسه ولا ينطق بهواه، بل كل ما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير هو وحي من عند الله. وقال تعالى: "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة" النساء 113، وقد فسّر جمهور المفسرين الحكمةَ هنا بالسنة النبوية. وقال أيضاً: "واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به" البقرة 231. فالقرآن والسنة إذاً نعمتان متلازمتان أنزلهما الله معاً، وذكرهما معاً، ولا يجوز لمسلم أن يفصل بينهما كما لا يجوز فصل الجناحين عن الطائر. وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بنفسه فقال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" رواه أبو داود وصححه الألباني. وفي هذا الحديث نبوءة نبوية عجيبة تصف بدقة مذهلة أصحاب فتنة القرآنيين الذين ظهروا في عصرنا.

  • ثانياً: عمل السنة مع القرآن.. التفصيل والتبيين والتشريع

جاءت السنة النبوية لتؤدي مع القرآن الكريم ثلاث وظائف جوهرية لا غنى عنها. الوظيفة الأولى هي التفصيل والتبيين، إذ إن القرآن الكريم جاء في كثير من أحكامه مجملاً موجزاً، والسنة هي التي تُفصّل هذا الإجمال وتشرح هذا الإيجاز. فالقرآن أمر بالصلاة في أكثر من سبعين موضعاً بقوله: "وأقيموا الصلاة" لكنه لم يُبيّن عدد ركعاتها ولا أوقاتها ولا شروطها ولا أركانها، فجاءت السنة لتُبيّن ذلك كله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري. وكذلك الزكاة فرضها القرآن دون أن يُحدد نصابها ولا مقاديرها، والحج أوجبه القرآن دون أن يشرح مناسكه، والصيام فرضه دون أن يُفصّل أحكامه. فلو أخذنا بالقرآن وحده لصلينا بلا ركوع ولا سجود ولا تكبير، ولحججنا بلا طواف ولا سعي ولا وقوف بعرفة. الوظيفة الثانية هي التخصيص والتقييد، فالسنة تُخصّص عموم القرآن وتُقيّد مطلقه. قال تعالى: "حرّمت عليكم الميتة والدم" المائدة 3، فجاءت السنة لتُخصّص وتقول: "أُحلّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" رواه ابن ماجه. الوظيفة الثالثة هي التشريع المستقل، فالسنة تأتي بأحكام جديدة لم يذكرها القرآن صريحاً، كتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وغير ذلك مما أثبتته السنة وسكت عنه القرآن. قال تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" الحشر 7، وهذا أمر إلهي صريح بوجوب الأخذ بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم دون تفريق أو انتقاء.

  • ثالثاً: طاعة النبي من طاعة الله.. آيات لا تحتمل التأويل

إن من أعظم ما يُسكت به دعاة الاكتفاء بالقرآن هو القرآن نفسه، الذي جاء صريحاً في وجوب اتباع السنة النبوية وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" النساء 80. وقال: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" آل عمران 31. وقال: "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله" النساء 64. وقال: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليماً" النساء 65. وقال: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" الأحزاب 21. وقال: "وإن تطيعوه تهتدوا" النور 54. فهذه الآيات الكريمة تُثبت بصريح العبارة أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم فريضة قرآنية، ومن رفض السنة فقد عصى القرآن الذي يأمر باتباعها. بل إن الله تعالى جعل اتباع النبي علامة على محبة الله وشرطاً لنيل مغفرته، فكيف يزعم من يرفض السنة أنه يحب الله وقد خالف أمره الصريح؟

  • رابعاً: الرد على القرآنيين.. ضلال يُخالف القرآن والعقل والتاريخ

ظهرت في العصر الحديث فرقة تُسمى القرآنيين أو أهل القرآن، يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن وحده ويرفضون السنة النبوية. وهذه الدعوى باطلة من وجوه عديدة. أولها أنها تُخالف القرآن الكريم نفسه الذي أمر باتباع النبي في آيات كثيرة سبق ذكرها. وثانيها أنها تُفضي إلى تعطيل أركان الإسلام الأساسية، فأين في القرآن عدد ركعات الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر؟ وأين نصاب الزكاة ومقاديرها؟ وأين تفاصيل مناسك الحج؟ من رفض السنة لم يعرف كيف يُصلي ولا كيف يصوم ولا كيف يحج. وثالثها أنها تُخالف إجماع الأمة الإسلامية على مدار أربعة عشر قرناً، إذ لم يُنقل عن صحابي واحد ولا تابعي ولا إمام معتبر أنه رفع السنة أو استغنى عنها. ورابعها أنها تفتح باب الفوضى التشريعية إذ يصبح كل شخص يفسر القرآن وفق هواه دون ضابط من السنة، وهو ما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرّم رسول الله كما حرّم الله" رواه أبو داود. وقد ردّ الإمام الشافعي رحمه الله على هؤلاء بقوله الجامع المانع: كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من القرآن. فالسنة إذاً ليست مصدراً مستقلاً منفصلاً عن القرآن بل هي الترجمة العملية له والتجسيد الحي لمعانيه.

  • خامساً: كيف فهم الصحابة العلاقة بين القرآن والسنة؟

الصحابة الكرام رضوان الله عليهم هم أفضل من فهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يجمعون بين القرآن والسنة جمعاً لا يتصور معه فصل أحدهما عن الآخر. روى الدارمي أن رجلاً سأل ابن مسعود رضي الله عنه عن امرأة مات زوجها قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها مهراً، فتوقف ابن مسعود ثم قضى لها بمهر المثل ولها الميراث وعليها العدة، مستنداً إلى السنة. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: تعلموا السنة كما تتعلمون القرآن. وكانت عائشة رضي الله عنها تُحيل من يسألها عن الأخلاق النبوية بقولها: "كان خلقه القرآن" رواه مسلم، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان القرآن المتجسد الماشي على الأرض، فسنته ليست إلا القرآن مُطبَّقاً في الحياة. وقال الإمام مالك رحمه الله: السنة سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وقال الإمام أحمد رحمه الله: من ردّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة.

  • سادساً: القرآن والسنة.. منهج متكامل لصلاح الدنيا والآخرة

إن القرآن الكريم والسنة النبوية معاً يُشكّلان منهجاً ربانياً متكاملاً يُعالج كل شؤون الحياة ولا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحكمها. قال تعالى: "ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين" النحل 89. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي" رواه الحاكم وصححه. فهذا هو الميثاق النبوي الأبدي الذي ربط صلاح الأمة وهدايتها بالتمسك بالثقلين معاً دون إسقاط أحدهما. والأمة التي تتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم تُبنى فيها العدالة وتسود الرحمة وتقوم الحضارة، أما الأمة التي تتفلت من أحدهما أو كليهما فإنها تسير نحو التيه والفرقة والضياع. والواجب على كل مسلم أن يُقدّم القرآن والسنة على كل رأي وهوى وتفكير، وأن يعلم أن في ردّ السنة ردّاً للقرآن، وفي ردّ القرآن ردّاً لله تعالى، والعياذ بالله. قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" النساء 59. فجعل الله طاعة رسوله مقرونة بطاعته في أمر واحد لا يتجزأ، دلالةً قاطعة على أن الإسلام لا يقوم إلا على ركيزتيه العظيمتين: القرآن والسنة، جناحان لا يُتصور الطيران بأحدهما دون الآخر.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت تقييم 4.95 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

158

متابعهم

512

متابعهم

3360

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-