دستور العفة والتكريم: كيف احتفى القرآن الكريم بالمرأة وخلّد ذكرها؟

دستور العفة والتكريم: كيف احتفى القرآن الكريم بالمرأة وخلّد ذكرها؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

دستور العفة والتكريم: كيف احتفى القرآن الكريم بالمرأة وخلّد ذكرها؟

image about دستور العفة والتكريم: كيف احتفى القرآن الكريم بالمرأة وخلّد ذكرها؟

النبذة المختصرة:

​تحليل شامل لصور تكريم المرأة في القرآن الكريم. استكشف كيف اعتنى الوحي الإلهي بحقوق المرأة، وسر تسمية سور كاملة باسمها كـ "النساء" و"مريم"، والدروس المستفادة من سير نساء القرآن.

​الثورة التشريعية والوجودية للمرأة في ظلال الوحي

​جاء القرآن الكريم برسالته السماوية الخالدة في بيئة جاهلية كانت تنظر إلى المرأة على أنها عبء ثقيل، وتُجرّدها من أدنى حقوقها الإنسانية، وتئد طفولتها خوفاً من الفقر أو العار. وفي وسط هذا الظلام الدامس، أحدث القرآن الكريم ثورة وجودية وتشريعية غيرت مجرى التاريخ، حيث أعلن بوضوح تام الأهلية الإنسانية والروحية الكاملة للمرأة مساوية للرجل في أصل الخلق والتكليف الإلهي والجزاء الأخروي. يتجلى هذا التكريم في قول الله سبحانه وتعالى: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ". لقد نقل القرآن المرأة من خانة التهميش لتكون شريكة أساسية في بناء المجتمع الإيماني، فخاطبها الوحي بأحكام مستقلة تحفظ عفتها، وكرامتها، وحقها في الميراث، والملكية، والشورى، والتعليم.

​تجسيد المكانة الاستثنائية وتسمية سور كاملة بالنساء ومريم

​لم يكتفِ القرآن الكريم بذكر أحكام تفصيلية تخص المرأة، بل خلّد مكانتها في قلوب المؤمنين عبر إطلاق أسماء نسوية على سور قرآنية كاملة تُتلى آياتها آناء الليل وأطراف النهار إلى يوم القيامة. وتبرز سورة "النساء" الكبرى كمنهج تشريعي متكامل يُعنى بحقوق الضعفاء ويؤسس لعلاقات أسرية مبنية على المودة والرحمة والعدل والإنصاف. كما نجد سورة "مريم" التي حملت اسم الصدّيقة الطاهرة البتول، لتكون السورة الوحيدة في القرآن التي سميت باسم امرأة بشكل صريح، تخليداً لمعجزتها وصبرها وثباتها في وجه الطعن والافتراء. ويؤكد أئمة السلف أن هذا التخصيص القرآني في التسمية يمثل رسالة واضحة للأمة بأسرها بضرورة احترام دور المرأة وتوفير الحماية التشريعية والاجتماعية التي تكفل عيشها الكريم في كنف المجتمع الإسلامي.

​قدوة الصديقات والبرهان على معجزة الطهر مريم البتول

​يقدم القرآن الكريم السيدة مريم ابنة عمران عليها السلام كأنموذج فريد وأعلى درجات الكمال الإنساني النسائي، حيث اصطفاها الله وطهرها على نساء العالمين. وقد حظيت مريم بذكر متكرر وتفصيلي في القرآن الكريم، فصوّر الوحي محراب عبادتها، وولادتها الإعجازية للسيد المسيح عيسى عليه السلام، وما رافق ذلك من آلام جسدية ونفسية كبّدتها إياها مجتمعات الجهل، ليدافع الله عنها من فوق سبع سموات ويبرئ ساحتها بنطق رضيعها في المهد. وفي هذا السياق، امتدحها الله عز وجل في سورة التحريم قائلاً: "وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ"، ليجعل من الصدق والإيمان والقنوت منبع العزة والكرامة الإنسانية لكل امرأة تسير على خطى المتقين.

​سيرة آسية بنت مزاحم وقمة الثبات العقدي في قصر الطاغية

​في مواجهة الظلم والجبروت، يسلط القرآن الكريم الضوء على سيرة السيدة آسية بنت مزاحم، امرأة فرعون، كرمز خالد للحرية الفكرية والثبات العقائدي الذي لا يلين أمام بريق الدنيا ومغريات القصور. فرغم أنها كانت زوجة لأعظم طاغية ادعى الألوهية في زمانه، وتعيش في رغد العيش، إلا أنها اختارت الحق واعتنقت التوحيد بمجرد رؤية معجزة موسى عليه السلام، متقبلة العذاب والألم في سبيل إيمانها. لقد ضرب الله بها مثلاً للمؤمنين كافة، رجالاً ونساءً، في قوله تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"، ليعلمنا السلف أن قوة الإيمان تنبع من القلب المستقل والروح المتصلة بربها، ولا تؤثر فيها البيئة الظالمة مهما بلغت قسوتها.

​حكمة بلقيس ومكانة المرأة في القيادة والسياسة الرشيدة

​لم تقتصر إشارات القرآن الكريم إلى المرأة في مجالات التعبد والصبر الأسري فحسب، بل امتدت لتعرض قدراتها القيادية والسياسية الفذة من خلال قصة ملكة سبأ "بلقيس" في سورة النمل. يعرض القرآن بلقيس كقائدة ذكية، حكيمة، ورشيدة، فضّلت المشورة وتجنيب قومها ويلات الحروب والدمار على التهور والعناد، قائلة: "قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ". وعندما استبانت لها دلائل النبوة الصادقة مع نبي الله سليمان، لم تكابر بل انقادت للحق بوعي تام قائلة: "رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". هذا العرض القرآني يثبت أن الإسلام لم يأتِ ليحجر على عقل المرأة أو يلغي دورها التنموي والقيادي في المجتمع، بل يوجّه طاقاتها الإبداعية والفكرية لخدمة الصالح العام بمسؤولية وحكمة.

​دروس من قصص نساء الأنبياء والوقاية من الفتن الأسرية

​تكتمل الصورة المتوازنة للقرآن الكريم في تناوله للمرأة من خلال استعراض نماذج متباينة تعكس واقع الحياة البشرية وتقلباتها؛ فبينما يضرب المثل بأم موسى وصبرها وإلهامها، وابنة شعيب بحيائها وعفتها في قصة زواجها من موسى، نجد بالمقابل تحذيراً من انحراف زوجتي نوح ولوط عليهما السلام اللتين خانتا الرسالة وخالفتا دعوة الحق بدافع التبعية لقومهما الضالين. يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه النماذج المتنوعة تؤكد أن نجاة الإنسان وصلاحه هو شأن فردي خالص يرتبط بعمل الفرد وإيمانه وعلاقته بربه، ولا يغني عنه قربه من الأنبياء والصالحين شيئاً إن حاد عن صراط الله. إن تتبع قصص نساء القرآن يمنح المؤمن والمؤمنة اليوم بوصلة أخلاقية وروحية متكاملة تضمن بناء أسرة صالحة ومستقرة تقوم على العدل، والتقوى، والاحترام المتبادل لشرع الله الحكيم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.97 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

470

متابعهم

654

متابعهم

3538

مقالات مشابة
-