بر الوالدين.. أعظم القربات وأزكى الطاعات
بر الوالدين.. أعظم القربات وأزكى الطاعات
نبذة مختصرة:
يحتل بر الوالدين مكانة رفيعة في الإسلام، إذ قرنه الله بعبادته سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، فما حقيقة هذا البر؟ وما مظاهره؟ وكيف يحققه المسلم في واقعه اليومي؟
مكانة بر الوالدين في القرآن والسنة
حظي بر الوالدين بمكانة استثنائية في التشريع الإسلامي، فقد قرن الله سبحانه وتعالى الأمر ببر الوالدين بالأمر بعبادته وحده في أكثر من موضع من كتابه الكريم، وهذا الاقتران له دلالة عظيمة على مكانة هذا البر ومنزلته عند الله. ولم يكتف القرآن بالأمر ببرهما في حال استقامتهما فقط، بل أوصى بمعاملتهما بالإحسان حتى في حال الكبر والضعف، فنهى عن أدنى درجات العقوق كقول كلمة أف، وأمر بخفض الجناح لهما رحمة، والدعاء لهما بالرحمة كما ربياه صغيرا. وفي السنة النبوية، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله فذكر الصلاة على وقتها، ثم ذكر بر الوالدين في المرتبة الثانية قبل الجهاد في سبيل الله، وهذا يدل على أن بر الوالدين من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، بل جعله النبي صلى الله عليه وسلم سببا في دخول الجنة، إذ قال من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنة فأبعده الله، في تحذير شديد اللهجة لمن يقصر في هذا الحق العظيم.
مظاهر بر الوالدين في حياة المسلم اليومية
لا يقتصر بر الوالدين على المواقف الكبرى فحسب، بل يتجلى في تفاصيل صغيرة يعيشها المسلم كل يوم مع والديه. فمن أبرز مظاهر البر خفض الصوت أمامهما وعدم مجادلتهما بحدة، والاستماع إليهما باهتمام حتى وإن تكررت أحاديثهما، فكبار السن غالبا ما يعيدون ذكر ذكرياتهم، وحسن الأدب يقتضي الإصغاء لهم بصبر ومحبة. ومن المظاهر أيضا المبادرة بخدمتهما دون انتظار طلب منهما، فالوالد الذي رباك صغيرا يستحق منك أن تبادر لرعايته وهو كبير دون أن يطلب ذلك بلسانه، فربما يستحي أن يطلب أو يخشى أن يثقل عليك. ويشمل البر أيضا الإنفاق عليهما إذا احتاجا، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه، مما يدل على أن مال الابن حق لوالده إذا احتاج إليه. كما يتجسد البر في الدعاء لهما في كل صلاة، وزيارتهما بانتظام إن كانا بعيدين، وإدخال السرور عليهما بالهدايا والكلمات الطيبة، فكل هذه التفاصيل الصغيرة تجتمع لتشكل صورة متكاملة للبر الحقيقي.
بر الوالدين بعد وفاتهما
لا ينتهي بر الوالدين بوفاتهما، بل يبقى للمسلم فرصة ذهبية لمواصلة هذا البر حتى بعد رحيلهما عن الدنيا، وهذا من رحمة الإسلام وشموليته. فقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأن هناك أبوابا عديدة للبر لا تزال مفتوحة، منها الصلاة عليهما أي الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما أي تنفيذ وصاياهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما أي إكرام أقاربهما وأصدقائهما، وإكرام صديقهما، وهذا يدل على أن رابطة البر تمتد حتى إلى دوائر أوسع من العلاقات التي كانت تربط الوالدين بمن حولهما. ومن أعظم صور البر بعد الموت أيضا الصدقة الجارية عنهما، وحج أو عمرة عنهما إن كانا لم يحجا، وتربية الأبناء تربية صالحة تكون امتدادا لصلاح ما تربى عليه المرء من والديه، فيبقى أثرهما حيا في الأجيال اللاحقة، وهذا من أعظم أنواع الوفاء والبر الذي لا ينقطع بموت الجسد.
عقوق الوالدين وخطورته
في المقابل، حذر الإسلام تحذيرا شديدا من عقوق الوالدين، وجعله من أكبر الكبائر التي تعقب الشرك بالله مباشرة في الخطورة والإثم. فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكبر الكبائر فذكر الإشراك بالله، ثم عقوق الوالدين، ثم شهادة الزور، وهذا الترتيب يكشف عن عظم هذه الجريمة في ميزان الشرع. والعقوق له صور متعددة قد لا ينتبه إليها كثير من الناس، فمنه الجفاء في المعاملة، وإهمال زيارتهما أو الاتصال بهما، وتفضيل الزوجة أو الأصدقاء عليهما دون مراعاة لحقهما، وإحراجهما أمام الناس، وعدم استئذانهما أو استشارتهما في الأمور المهمة. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن دعوة الوالد المظلوم مستجابة لا شك فيها، وهذا تحذير عظيم لمن يظن أن بإمكانه التهرب من عواقب عقوقه، فقد يدعو عليه والده أو والدته وهما مظلومان فيصيبه من ذلك ما لا يتوقعه، فلنحذر كل الحذر من هذا الذنب العظيم الذي قد يفسد على المرء دنياه وآخرته.
نماذج مشرقة من بر السلف بوالديهم
زخرت سير الصالحين بنماذج مشرقة تجسد معنى البر الحقيقي، ومن أشهرها ما روي عن أويس القرني الذي كان بارا بأمه إلى درجة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه عنه رغم أنه لم يلتق به، وأوصى عمر بن الخطاب أن يطلب منه الاستغفار إن لقيه، تقديرا لمكانته عند الله بسبب بره بأمه. ومن النماذج أيضا ما اشتهر عن بعض التابعين الذين كانوا يخفضون أصواتهم عند والديهم حتى إن أحدهم كان لا يرفع بصره في وجه أبيه إجلالا وتوقيرا له. وهذه النماذج ليست مجرد قصص تاريخية تروى للعبرة، بل هي مثال حي يستطيع كل مسلم أن يقتدي به في زمانه، فالبر ليس مرتبطا بعصر معين أو ظروف خاصة، بل هو خلق ثابت يمكن تطبيقه في كل زمان ومكان، بغض النظر عن اختلاف وسائل الحياة وتطور المجتمعات.
خاتمة: البر استثمار لا ينقطع أثره
يبقى بر الوالدين من أعظم الأعمال التي يستطيع بها المسلم أن يتقرب إلى ربه، وأن يضمن رضا خالقه ورضا والديه معا، وهو استثمار حقيقي لا ينقطع أثره سواء في الدنيا بالبركة في الرزق والعمر، أو في الآخرة بالفوز برضا الله ودخول جنته. وينبغي على كل مسلم أن يتذكر دائما أن والديه هما سبب وجوده في هذه الحياة، وأنهما بذلا من أجله الغالي والنفيس دون مقابل، فأقل ما يستحقانه أن يرد لهما جزءا يسيرا من هذا الجميل ببر صادق نابع من القلب لا من مجرد أداء الواجب. فلنحرص جميعا على أن نكون من الأبرار بوالدينا في حياتهم وبعد مماتهم، فذلك من أعظم أسباب السعادة في الدارين، ومن أرجى الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق