الهجرة النبوية.. حين تحولت المحنة إلى منحة

الهجرة النبوية.. حين تحولت المحنة إلى منحة

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

الهجرة النبوية.. حين تحولت المحنة إلى منحة


نبذة مختصرة: 

تعد الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة من أعظم المحطات في السيرة النبوية، فهي لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت تحولا استراتيجيا غيّر مسار الدعوة الإسلامية، ومنه بدأ التأريخ الهجري الذي يعتمده المسلمون إلى اليوم.


الظروف التي سبقت الهجرة
مرت الدعوة الإسلامية في مكة بمرحلة بالغة الصعوبة، إذ تعرض النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصنوف شتى من الأذى والاضطهاد من قريش التي رأت في الدعوة الجديدة تهديدا لمكانتها ومصالحها. فقد عذب المستضعفون من المسلمين تعذيبا شديدا، واستشهد بعضهم كما حدث مع ياسر وسمية رضي الله عنهما، وحوصر بنو هاشم في شعب أبي طالب سنوات ثلاثا حتى كادوا يهلكون من الجوع. وحين توفي أبو طالب عم النبي الذي كان يحميه من بطش قريش، وتوفيت خديجة رضي الله عنها زوجه وسنده، اشتد الكرب على النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمي ذلك العام بعام الحزن. وفي خضم هذه المحنة، فتح الله له بابا من الأمل حين لقي في موسم الحج نفرا من أهل يثرب فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم توالت بعثات منهم حتى تمت بيعة العقبة الثانية التي مهدت الطريق لانتقال الدعوة إلى أرض جديدة أكثر احتضانا لها.


التخطيط المحكم للهجرة
حين أذن الله لنبيه بالهجرة، لم يكن الأمر ارتجاليا بل جاء وفق تخطيط دقيق يعكس الأخذ بالأسباب مع التوكل الكامل على الله. أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة تباعا إلى المدينة، وبقي هو وأبو بكر الصديق ينتظران الإذن الإلهي. وحين علمت قريش بنجاح هجرة معظم المسلمين، اجتمع كبراؤها في دار الندوة وقرروا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بأن يشترك في قتله شاب من كل قبيلة حتى يتفرق دمه بين القبائل ويعجز بنو هاشم عن المطالبة بالثأر. لكن الله أوحى لنبيه بمكرهم، فأمر عليا بن أبي طالب أن ينام في فراشه ليوهم المتربصين ببقائه في البيت، بينما خرج هو صلى الله عليه وسلم متجها إلى بيت أبي بكر الصديق، ثم انطلقا معا خفية باتجاه غار ثور، في الجهة المعاكسة تماما لطريق المدينة، في خطوة تخطيطية ذكية لتضليل من يبحث عنهما.


في غار ثور: مشهد الثقة المطلقة بالله
اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر في غار ثور ثلاثة أيام، وقد أرسلا عبد الله بن أبي بكر ليأتيهما بالأخبار ليلا، وأرسلا عامر بن فهيرة يرعى غنما ليمحو بها آثار الأقدام، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام. وحين وصل المشركون إلى فوهة الغار في بحثهم المحموم، خاف أبو بكر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له إن أحدهم لو نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فطمأنه النبي بكلمات خالدة سجلها القرآن الكريم، إذ قال له لا تحزن إن الله معنا، في مشهد يعكس أعلى درجات اليقين بنصر الله وحفظه، رغم أن الأسباب الظاهرة كانت كلها تشير إلى خطر محدق. وقد حفظ الله نبيه بأسباب غيبية، فنسجت العنكبوت على فوهة الغار، وعشش الحمام عند مدخله، فظن المشركون أن أحدا لم يدخله من قبل فانصرفوا خائبين، في درس بليغ عن أن حفظ الله لأوليائه لا يحده سبب ظاهر ولا يعجزه مانع.


رحلة الهجرة وصولا إلى المدينة
بعد ثلاثة أيام من الاختباء، غادر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الغار متجهين إلى المدينة، مستعينين بدليل خبير بطرق الصحراء يدعى عبد الله بن أريقط، رغم أنه كان لا يزال على دين قومه، وهذا يدل على جواز الاستعانة بأهل الخبرة في الأمور الدنيوية ولو لم يشاركوا في العقيدة. وسلكا طريقا غير مألوف بعيدا عن الطريق الرئيسي الذي كانت قريش تراقبه، وفي أثناء الرحلة وقعت حوادث عدة تدل على معية الله لنبيه، منها قصة سراقة بن مالك الذي طمع في جائزة قريش لمن يأتي بالنبي حيا أو ميتا، فتبعهما بفرسه حتى اقترب منهما، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليه فساخت قوائم فرسه في الأرض، فأدرك سراقة أن هذا الأمر له شأن عظيم، فطلب الأمان ورجع عنهما بل حاول صد من يلحق بهما من بعده. وأخيرا وصل الركب المبارك إلى قباء في ضواحي المدينة، حيث استقبله الأنصار بفرح غامر، وأسس فيها أول مسجد في الإسلام قبل أن يواصل رحلته إلى قلب المدينة المنورة.


الأثر العظيم للهجرة على مسيرة الدعوة
لم تكن الهجرة مجرد نجاة بالنفس، بل كانت نقطة تحول جذرية غيرت طبيعة الدولة الإسلامية الناشئة، فبعد أن كانت الدعوة في مكة تقتصر على التبليغ والصبر على الأذى، أصبحت في المدينة دعوة لها كيان ومجتمع ودولة، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الأمة الجديدة على أسس متينة، فآخى بين المهاجرين والأنصار مواساة لهم بعد أن تركوا ديارهم وأموالهم، وبنى المسجد النبوي الذي كان مركزا للعبادة والتعليم والقضاء وإدارة شؤون المسلمين، ووضع وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع المدني من مسلمين ويهود وغيرهم. ولأهمية هذا الحدث، اختار عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته أن يجعل الهجرة النبوية بداية التقويم الإسلامي، تخليدا لهذا التحول العظيم الذي أسس لانطلاقة الإسلام في الجزيرة العربية وما بعدها.


خاتمة: دروس خالدة من رحلة الهجرة
تحمل الهجرة النبوية في طياتها دروسا لا تنضب لكل مسلم يسعى للثبات على دينه، فمنها أن التخطيط الجيد والأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل الصادق على الله، بل هما وجهان لمنهج واحد. ومنها أن الشدائد قد تكون في ظاهرها محنة، لكنها في باطنها منحة تفتح أبوابا جديدة للخير، فقد كانت الهجرة سببا في انتشار الإسلام وتمكينه بعد أن ضاقت به مكة. كما تعلمنا قصة الهجرة أن رفقة الصالحين في أوقات الشدة نعمة عظيمة، وأن الثقة بالله ينبغي أن تبقى راسخة مهما بدت الظروف حالكة، فكلمة النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار لا تحزن إن الله معنا تبقى نبراسا يضيء طريق كل مؤمن يمر بمحنة، ليعلم أن معية الله لا تتخلف عمن صدق في توكله عليه واتبع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5.
المقالات

677

متابعهم

824

متابعهم

3738

مقالات مشابة
-