المستغفرون بالأسحار ، أهل الليل وسادة النهار

المستغفرون بالأسحار ، أهل الليل وسادة النهار

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 المستغفرون بالأسحار ، أهل الليل وسادة النهار

 

“وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ” 

— سورة آل عمران، الآية ١٧

image about  المستغفرون بالأسحار ، أهل الليل وسادة النهار
  • مقدمة

في ذلك الوقت الذي يغفو فيه العالم، وتهدأ فيه الضوضاء، وتنزل فيه السكينة على الأرواح المتعبة — ثمة قومٌ لا تعرف أجفانهم الرقاد. ليس لأنهم عاجزون عن النوم، بل لأن قلوبهم تعرف شيئاً لا تعرفه الأجساد المستريحة: أن السحر بابٌ من أبواب الجنة يُفتح كل ليلة لمن يطرقه.

هؤلاء هم المستغفرون بالأسحار.

 

  •  السحر: لحظة بين الليل والفجر

السَّحَر لغةً هو الوقت الذي يسبق الفجر مباشرةً، آخر الليل حين يبدأ الظلام بالانسحاب، وتتردد الروح بين عالمَيْن. وفي الاصطلاح الشرعي، هو الثلث الأخير من الليل، ذلك الوقت الذي أخبرنا النبي ﷺ أن الله تعالى ينزل فيه إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، فيقول:

“مَن يَدعوني فأستجيب له؟ مَن يَسألني فأُعطيَه؟ مَن يَستغفرني فأغفر له؟”
— متفق عليه

فكيف يعرف هذا ثم يبقى نائماً؟!

  •  المستغفرون في القرآن الكريم

ذكر الله المستغفرين بالأسحار في معرض وصف المتقين الأبرار، فقال سبحانه:

“الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ”
— آل عمران: ١٧

انظر كيف جمع الله الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين، ثم ختمهم بالمستغفرين بالأسحار. كأنه يقول: بعد كل هذه الطاعات العظيمة، هم لا يزالون يستغفرون، يرون أنفسهم مقصّرين، يطرقون باب العفو في الساعة التي يُفتح فيها على مصراعيه.

وكذلك أثنى الله على المتقين في سورة الذاريات:

“وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ”

 — الذاريات: ١٨

  • لماذا الاستغفار تحديداً في السحر؟

أولاً: الخلوة الحقيقية
السحر هو الوقت الذي يخلو فيه المرء مع نفسه، بعيداً عن الرياء والمراءاة. لا أحد يراه إلا الله. الاستغفار في السحر يعني أن العبد يطلب المغفرة لأنه يريدها، لا لأنه يريد أن يُرى.

ثانياً: الصدق في اللجوء
حين يترك العبد فراشه الدافئ في برد الليل ليقف بين يدي الله، فذلك دليل على صدق الحاجة وحرارة الطلب. الاستغفار في السحر ليس كلمات على اللسان فحسب، بل هو موقف يُعبّر عن يقين القلب.

ثالثاً: القبول المضمون
أخبرنا الله ورسوله ﷺ أن هذا الوقت من أوقات الإجابة، فالاستغفار فيه يكاد يكون مقبولاً بنص الوحي. قال الله عن إبراهيم عليه السلام أنه كان *"أَوَّاهًا"*، وفسّرها المفسرون بكثرة التضرع والاستغفار.

  •  كيف كان السلف يُحيون أسحارهم؟

كان سلفنا الصالح يعدّون السحر ميراثاً نبوياً لا يُفرّطون فيه. روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:

“إن الله يُمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا...”

وكان الفضيل بن عياض — رحمه الله — إذا جاء السحر يُجدّد وضوءه ويقول: "الآن يُفتح باب الرحمة، فمن لم يقرعه الآن فمتى؟"

وقيل إن عمر بن عبدالعزيز كان يجمع أهله في السحر، فيبكون ويبكي، ثم يقول: "اللهم اغفر لنا، فهذا وقتك الذي وعدتنا فيه بالإجابة."

  •  الاستغفار: أكثر من مجرد طلب مغفرة

يظن بعض الناس أن الاستغفار مقصور على التوبة من الذنوب، وهذا حقٌّ، لكنه ليس كل الحق. فالاستغفار:

باب من أبواب الرزق:
“فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا” — نوح: ١٠-١١

سببٌ لتفريج الكرب:
> *"مَن لَزِمَ الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل همٍّ فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب"*

طريق إلى القوة:
“وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ”
 — هود: ٥٢

قربٌ من الله: فالعبد حين يستغفر يُقرّ بعجزه وحاجته، وهذا أساس القرب من الله.

  •  أذكار الاستغفار في السحر

سيد الاستغفار:
"اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ"

الاستغفار العظيم:
“أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ”

الاستغفار المتكرر:
“رب اغفر لي وتب عليّ، إنك أنت التواب الرحيم”
— تُقال ثلاثاً وسبعين مرة

  •  كيف تكون من المستغفرين بالأسحار؟

ليس الأمر مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى إرادة وبداية:

١. ابدأ بالنية الصادقة — نِوِ قبل نومك أن تستيقظ للسحر
٢. استعن بالمنبّه — لا عار في ذلك، فالمؤمن يأخذ بالأسباب
٣. ابدأ بركعتين — لو لم تستطع القيام طويلاً، فركعتان ثم استغفار خيرٌ من لا شيء
٤. كن منتظماً لا مثالياً — الاستمرار القليل خيرٌ من الانقطاع الكثير
٥. ادعُ الله أن يُعينك — فهو الذي يُيسّر الطاعة لمن أراد

  • خاتمة

المستغفرون بالأسحار قومٌ عرفوا الله، فأحبّوا لقاءه. عرفوا قيمة هذه اللحظات، فلم يُفرّطوا فيها. لم يكونوا ملائكة ولا معصومين، بل كانوا بشراً مذنبين كبقية البشر — لكنهم اختاروا أن يكون ذنبهم دافعاً للقرب لا سبباً للبُعد.

فاللهم اجعلنا منهم، واجمعنا بهم في دار كرامتك.

"وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"*
— الذاريات: ١٨
*اللهم تقبّل منا، إنك أنت السميع العليم* 🤲

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت تقييم 4.96 من 5.
المقالات

197

متابعهم

523

متابعهم

3372

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-