الدعاء المستجاب.. آدابه وأوقات إجابته

الدعاء المستجاب.. آدابه وأوقات إجابته

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الدعاء المستجاب.. آدابه وأوقات إجابته


نبذة مختصرة: 

يعد الدعاء من أعظم العبادات وأكثرها قربا إلى قلب المؤمن، فهو صلة مباشرة بين العبد وربه، وقد بين الإسلام آدابا وشروطا وأوقاتا مخصوصة تكون فيها إجابة الدعاء أقرب، ليستفيد المسلم من هذه الكنوز الزمنية والروحية في تحقيق حاجاته والتقرب من خالقه.


مكانة الدعاء في الإسلام
يحتل الدعاء مكانة عظيمة في الإسلام، حتى وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه العبادة، وهذا التوصيف يكشف عن جوهر الدعاء العميق كأحد أهم أشكال التعبد لله سبحانه وتعالى. وقد أمر الله عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة، إذ قال ادعوني أستجب لكم، وهذا وعد إلهي صريح لا يقبل التأويل، يفتح الباب واسعا أمام كل مسلم ليطلب من ربه حاجاته الدنيوية والأخروية دون حرج أو خجل. كما أخبر الله سبحانه أنه قريب من عباده يجيب دعوة الداع إذا دعاه، وهذا القرب الإلهي يمنح المؤمن طمأنينة عميقة بأن دعاءه لا يذهب سدى، بل يصل إلى من يملك تصريف الأمور كلها. ومن عظمة الدعاء أيضا أن الله يغضب ممن لا يدعوه، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من لم يسأل الله يغضب عليه، وهذا يبين أن ترك الدعاء ليس تواضعا أو زهدا كما قد يظن البعض، بل هو تفريط في حق عظيم منحه الله لعباده، وإعراض عن باب واسع من أبواب الخير والفرج.


شروط قبول الدعاء وموانعه
لقبول الدعاء شروط ينبغي للمسلم أن يتحرى تحقيقها حتى يكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة، ومن أهم هذه الشروط الإخلاص التام لله في الدعاء، فلا يجوز أن يشرك المسلم في دعائه أحدا سوى الله، ولا أن يقصد بدعائه رياء أو سمعة أمام الناس. ومن الشروط أيضا اليقين التام بالإجابة، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو المسلم ربه وهو موقن بالإجابة، وألا يستعجل فيقول دعوت فلم يستجب لي، فإن هذا الاستعجال قد يكون سببا في رد الدعاء أو تأخره. ومن الموانع الخطيرة التي تحول دون قبول الدعاء أكل الحرام، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حديث الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له، في تحذير بليغ عن أثر الحرام في حجب الدعاء عن القبول مهما بلغ إلحاح الداعي وتضرعه. ومن الموانع أيضا الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يستجيب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فينبغي أن يحرص المسلم على أن تكون دعواته في حدود المباح الذي يرضاه الله له.


أوقات إجابة الدعاء
خص الله سبحانه وتعالى أوقاتا معينة تكون فيها إجابة الدعاء أقرب وأرجى، ومن أعظم هذه الأوقات ثلث الليل الأخير، حيث ينزل الله سبحانه وتعالى نزولا يليق بجلاله إلى السماء الدنيا فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، وهذا الوقت يمثل فرصة ذهبية للمؤمن الذي يقوم في هذه الساعة المباركة من ليله ليناجي ربه بعيدا عن ضوضاء النهار وانشغالاته. ومن الأوقات الفاضلة أيضا ساعة الجمعة، وهي ساعة خفية في يوم الجمعة، اختلف العلماء في تحديدها الدقيق، لكن أرجح الأقوال أنها آخر ساعة بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه إياه. ومن الأوقات المباركة أيضا وقت السجود في الصلاة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فليكثر الدعاء في هذا الموضع القريب من الله. كما أن بين الأذان والإقامة وقت مستجاب الدعاء لا يرد فيه الدعاء عادة، وكذلك وقت الإفطار للصائم، ووقت نزول المطر، وعند السفر ولحظة المرض، وهي أوقات يكون فيها القلب أكثر خشوعا وانكسارا لله.


آداب الدعاء المستحبة
ينبغي للمسلم أن يراعي عددا من الآداب المستحبة عند دعائه حتى يكون أقرب إلى القبول، فمن أهم هذه الآداب استقبال القبلة ورفع اليدين، اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعل ذلك في كثير من مواقف دعائه. ومن الآداب المهمة أيضا البدء بحمد الله والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء وبعده، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يبين أهمية هذا الأدب في تحقيق قبول الدعاء وارتفاعه إلى الله. ومن الآداب أيضا الإلحاح في الدعاء وتكراره، فالله يحب الملحين في الدعاء، وليس هذا التكرار من قبيل سوء الأدب مع الله كما قد يظن البعض، بل هو دليل على شدة الحاجة والافتقار إلى الله في كل شؤون الحياة. كما ينبغي اختيار الألفاظ الجامعة في الدعاء، والدعاء بما ورد في القرآن والسنة من أدعية مأثورة، فهي أبلغ وأعظم أثرا من الألفاظ المبتكرة التي قد يقصر فيها الإنسان عن التعبير الكامل عن حاجته، مع عدم إغفال أهمية حضور القلب أثناء الدعاء، فالدعاء بقلب غافل لاه أقل أثرا من دعاء يخرج من قلب خاشع متضرع لله.


الحكمة من تأخر الإجابة أحيانا
قد يتساءل بعض المسلمين عن حكمة تأخر إجابة الدعاء أحيانا رغم توفر شروط القبول وآدابه، وهنا ينبغي أن يفهم المسلم أن الله سبحانه وتعالى أعلم بمصلحة عبده من نفسه، فقد يؤخر الله الإجابة لحكمة يعلمها هو وحده، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وهذا الحديث العظيم يزيل عن قلب المؤمن أي شعور بالإحباط أو اليأس من عدم تحقق دعائه بالصورة التي كان يتمناها، إذ يوقن أن دعاءه لن يذهب سدى بأي حال من الأحوال، بل سيعود عليه بخير في صورة من الصور الثلاث التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الحكمة أيضا أن يواصل المسلم دعاءه دون ملل أو استعجال، فقد يكون التأخر اختبارا لصدق يقينه وثباته على طلب حاجته من الله دون ملل، وقد يكون الله يريد أن يسمع صوت عبده متضرعا إليه أطول فترة ممكنة لما في ذلك من رفعة لمنزلته عند الله ومحو لذنوبه وسيئاته السابقة.


خاتمة: الدعاء سلاح المؤمن في كل حال
يبقى الدعاء من أعظم الأسلحة الروحية التي يمتلكها المؤمن في مواجهة تحديات الحياة المختلفة، فهو باب مفتوح لا يغلق أمام أحد، يستطيع من خلاله كل مسلم أن يطلب من ربه ما يشاء من خير الدنيا والآخرة، بلا وسيط ولا حاجب. وينبغي على كل مسلم أن يحرص على معرفة أوقات إجابة الدعاء المخصوصة، والالتزام بآدابه المستحبة، وتجنب موانعه المحذورة، ليكون دعاؤه أقرب إلى القبول وأعظم أثرا في حياته. فلنكثر من الدعاء في كل أحوالنا، رخاء وشدة، فرحا وحزنا، ولنثق بوعد الله الصادق بالإجابة، سواء عاجلا أو آجلا أو بصرف السوء عنا، فهو سبحانه القريب المجيب الذي لا يخيب من دعاه بصدق وإخلاص، وهو أعلم بما يصلحنا من أنفسنا في كل ما نطلبه منه سبحانه وتعالى.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5.
المقالات

687

متابعهم

826

متابعهم

3740

مقالات مشابة
-