قصة ذي القرنين.. ملك عادل طاف الأرض بالعلم والإيمان

قصة ذي القرنين.. ملك عادل طاف الأرض بالعلم والإيمان

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

قصة ذي القرنين.. ملك عادل طاف الأرض بالعلم والإيمان

image about قصة ذي القرنين.. ملك عادل طاف الأرض بالعلم والإيمان
نبذة مختصرة: 

تعد قصة ذي القرنين من القصص القرآنية التي ذكرت في سورة الكهف، إذ آتاه الله ملكا وأسبابا مكنته من التمكين في الأرض، فطاف بها من مشرقها إلى مغربها ناشرا العدل ومحاربا الفساد، حتى وصل إلى قوم يأجوج ومأجوج وبنى بينهم وبين الناس سدا يحميهم من فسادهم، تاركا نموذجا للحاكم العادل الذي يستخدم قوته في خدمة الحق لا في الاستبداد.


سؤال قريش عن ذي القرنين وسبب نزول القصة
جاءت قصة ذي القرنين في سياق مجموعة من الأسئلة التي وجهها مشركو قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، بتحريض من اليهود الذين أرادوا اختبار صدق نبوته بأسئلة يظنون أنها لا يعرف إجابتها إلا من كان على اطلاع بالكتب السابقة، فسألوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، وقد نزلت آيات القرآن الكريم تجيب عن هذه الأسئلة إجابة شافية تثبت صدق النبوة، ومن بينها قصة ذي القرنين التي بدأها الله بقوله ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا، وهذا التعبير القرآني يشير إلى أن ما سيروى ليس تفصيلا كاملا لكل سيرة هذا الملك العظيم، بل ذكر منتقى من أهم محطات حياته التي تحمل عبرا وفوائد للناس. ولم يحدد القرآن الكريم بدقة من هو ذو القرنين أو في أي عصر عاش أو أي أرض حكم، تاركا هذا الأمر مبهما عمدا لأن العبرة ليست في هويته الشخصية بقدر ما هي في سيرته وأسلوب حكمه العادل الذي يمكن أن يكون نموذجا يحتذى في كل زمان ومكان بغض النظر عن الفترة التاريخية التي عاش فيها هذا الملك تحديدا.


التمكين الإلهي وأسباب القوة التي أوتيها
أخبر القرآن الكريم أن الله مكن لذي القرنين في الأرض وآتاه من كل شيء سببا، أي وهبه من الأسباب والوسائل ما يمكنه من تحقيق أهدافه العظيمة في نشر العدل والخير بين الناس، سواء كانت هذه الأسباب علما بطرق السفر والقيادة، أو قوة عسكرية منظمة، أو حكمة سياسية فائقة في إدارة شؤون الدول والشعوب المختلفة التي كان يمر بها في رحلاته الطويلة. وهذا التمكين الإلهي يحمل دلالة عميقة مفادها أن القوة والسلطان ليسا غاية في ذاتهما، بل وسيلة يمنحها الله لمن يشاء من عباده ليستخدمها في تحقيق مقاصد نبيلة تخدم البشرية جمعاء، لا في التسلط والاستبداد كما فعل كثير من الملوك والحكام عبر التاريخ ممن حصلوا على قوة مماثلة أو أقل منها فاستخدموها في الظلم والفساد بدلا من العدل والإصلاح. وقد اتبع ذو القرنين سببا، أي سلك طريقا ومنهجا واضحا في استخدام هذه القوة الممنوحة له، وهذا يشير إلى أنه لم يكن حاكما عشوائيا يتصرف بمزاجية، بل كان يمتلك رؤية استراتيجية واضحة في كيفية إدارة ملكه العظيم وتوجيه طاقاته نحو أهداف محددة نافعة للناس.


رحلة ذي القرنين إلى مغرب الشمس ومشرقها
اتبع ذو القرنين سببا حتى وصل إلى حيث تغرب الشمس، ووجدها كأنها تغرب في عين ذات حمأة، وهي بحيرة أو نبع من طين أسود، فوجد عندها قوما، فخيره الله بين أن يعذبهم أو يتخذ فيهم حسنا، وهذا الخيار يبين أن الله منح ذا القرنين سلطة تقديرية واسعة في التعامل مع الشعوب التي يمر بها، سواء بالعقاب على ما قد يكونون عليه من فساد أو انحراف، أو بالإحسان إليهم وتعليمهم الخير، فاختار أن يقول من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا، أما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى، مطبقا مبدأ عادلا يجازي كل إنسان بحسب عمله لا بحسب انتمائه أو أصله، ويسر له من أمره يسرا في تعامله مع هذه الشعوب المختلفة. ثم اتبع ذو القرنين سببا آخر حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا، أي أنهم كانوا يعيشون في بيئة بدائية شديدة الانكشاف على أشعة الشمس المباشرة دون مبان أو أشجار تقيهم حرها، وقد تعامل معهم بنفس الحكمة والعدل الذي عامل به القوم السابقين، دون أن يستغل ضعفهم أو بساطة حياتهم في استعبادهم أو نهب ثرواتهم كما قد يفعل الغزاة الطامعون عادة.


بناء السد بين الناس ويأجوج ومأجوج
اتبع ذو القرنين سببا ثالثا حتى إذا بلغ بين السدين، أي بين جبلين عظيمين، وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا، أي قوما يتحدثون بلغة يصعب فهمها أو لهجة غريبة عن لغته، لكنهم رغم صعوبة التواصل معهم استطاعوا أن يبلغوه شكواهم من يأجوج ومأجوج، وهما قومان مفسدان في الأرض يعيثون فسادا وأذى بالناس المجاورين لهم، فطلبوا منه أن يجعل بينهم وبين هذين القومين سدا مقابل خراج يجمعونه له، فرفض ذو القرنين هذا العرض المالي بشهامة نادرة، قائلا ما مكني فيه ربي خير، أي أن ما وهبه الله له من قوة وإمكانيات يفوق ما يمكن أن يقدموه له من مال، وطلب منهم فقط أن يعينوه بقوة، أي بالعمل والجهد البدني لا بالمال، وهذا يبين نزاهته العظيمة وعدم استغلاله لضعف هؤلاء القوم المحتاجين لحمايته. فبنى سدا عظيما بمهارة هندسية متقدمة، استخدم فيه قطع الحديد التي وضعها بين الجبلين حتى إذا ساوى بين الصدفين، أي حتى ملأ الفراغ بينهما، أمر بنفخ النار عليها حتى جعلها كالنار المتوهجة، ثم صب عليها نحاسا مذابا ليزيدها قوة وصلابة، فأصبح هذا السد حاجزا منيعا لا يستطيع يأجوج ومأجوج تسلقه أو نقبه، محققا بذلك حماية دائمة لهؤلاء القوم المستضعفين من شر هذين الشعبين المفسدين.


تواضع ذي القرنين وإسناد الفضل لله
رغم كل هذا الإنجاز الهندسي والعسكري العظيم، لم ينسب ذو القرنين هذا النجاح لنفسه أو لقدراته الشخصية، بل قال بتواضع عميق هذا رحمة من ربي، معترفا أن ما تحقق من حماية لهؤلاء الناس إنما هو بفضل الله وتيسيره لا بجهده الشخصي وحده، وهذا يعكس فهما عميقا لحقيقة النعم وأصلها الإلهي، وهو نموذج مغاير تماما لما فعله قارون حين ادعى أن نجاحه كان بفضل علمه الشخصي فقط. ثم أضاف ذو القرنين تحذيرا مستقبليا مهما، فقال فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا، مشيرا إلى أن هذا السد رغم قوته الحالية لن يكون خالدا أبدا، بل سيأتي يوم يقدر فيه الله زواله حين يحين وعده بخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان كعلامة من علامات الساعة الكبرى، وهذا يبين أن ذا القرنين لم يكن مغرورا بإنجازه الهندسي العظيم، بل كان واعيا تماما بأن كل قوة بشرية مهما بلغت، تبقى محدودة أمام قدرة الله المطلقة التي تستطيع أن تزيل أعظم الإنجازات البشرية في أي وقت تشاء وفق حكمتها البالغة التي لا يعلمها إلا الله وحده.


خاتمة: نموذج خالد للحاكم العادل المتواضع
تحمل قصة ذي القرنين دروسا عميقة لكل من يتولى قوة أو سلطانا في هذه الحياة، فمنها أن القوة الحقيقية تقاس بمدى استخدامها في خدمة الضعفاء والمستضعفين، لا في استغلالهم أو التسلط عليهم كما فعل ذو القرنين حين رفض المقابل المالي وبنى السد لوجه الله ورحمة بالمستضعفين. ومنها أيضا أهمية التواضع ونسبة الفضل لله في كل إنجاز يحققه الإنسان، مهما بلغ عظمة هذا الإنجاز أو تفرده التاريخي، فذو القرنين رغم بناء سد عظيم يعجز عن مثله كثير من الملوك، لم ينس أن ينسب هذا التوفيق إلى رحمة الله وتيسيره لا إلى عبقريته الشخصية وحدها. وتعلمنا القصة أيضا أن العدل يجب أن يكون معيارا ثابتا في التعامل مع كل الشعوب المختلفة، مهما اختلفت لغاتهم أو ثقافاتهم أو مستوى تحضرهم، وأن كل قوة بشرية زائلة أمام إرادة الله وقضائه المحتوم. وتبقى هذه القصة العظيمة نموذجا خالدا يستحضره كل من يتولى مسؤولية أو سلطة في حياته، ليتعلم كيف يستخدم هذه الأمانة في خدمة الحق والعدل بدلا من استغلالها لمصالحه الشخصية الضيقة على حساب الآخرين المستضعفين.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

722

متابعهم

839

متابعهم

3752

مقالات مشابة
-