الغيبة والنميمة.. آفتان تهدمان أواصر المجتمع المسلم

الغيبة والنميمة.. آفتان تهدمان أواصر المجتمع المسلم

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الغيبة والنميمة.. آفتان تهدمان أواصر المجتمع المسلم

image about الغيبة والنميمة.. آفتان تهدمان أواصر المجتمع المسلم
نبذة مختصرة: 

تعد الغيبة والنميمة من أخطر الآفات الاجتماعية التي حذر منها الإسلام تحذيرا شديدا، فقد شبه القرآن الكريم الغيبة بأكل لحم الأخ الميت، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم النميمة سببا في عذاب القبر، فما حقيقة هاتين الآفتين؟ وكيف يتجنبهما المسلم في حياته اليومية وسط زحمة الأحاديث والمجالس المختلفة؟


تعريف الغيبة وحكمها الشرعي
عرف النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة تعريفا دقيقا حين سئل عنها، فقال ذكرك أخاك بما يكره، فسئل أرأيت إن كان في أخي ما أقول، فأجاب إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته، وهذا التعريف النبوي البليغ يوضح أن الغيبة لا تشترط الكذب لتكون محرمة، بل حتى الحديث الصادق عن عيوب الآخرين في غيابهم يعد غيبة محرمة، وإذا كان الحديث كاذبا فهو بهتان أشد إثما وحرمة. وقد شبه القرآن الكريم هذا الفعل بصورة مقززة بالغة التأثير، إذ قال ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه، وهذا التشبيه العظيم يجعل المسلم يستحضر مدى بشاعة هذا الفعل حين يتخيله في صورته الحسية المباشرة، فكما يستقبح الإنسان بفطرته السليمة فكرة أكل لحم أخيه الميت، ينبغي أن يستقبح بنفس الدرجة فعل الغيبة التي تنهش في عرض أخيه المسلم وهو غائب لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو تصحيح ما يقال عنه في غيابه التام.


تعريف النميمة وخطورتها الاجتماعية
تختلف النميمة عن الغيبة في طبيعتها وإن اشتركتا في كونهما من آفات اللسان الخطيرة، فالنميمة هي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد بينهم وإثارة العداوة والبغضاء، سواء كان هذا الكلام صحيحا أم غير صحيح، فالمعيار هنا ليس صدق الخبر أو كذبه، بل القصد من نقله وهو الإفساد بين الناس وزرع الفتنة بينهم. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآفة تحذيرا شديدا، فأخبر أن النمام لا يدخل الجنة، وهذا وعيد شديد يبين خطورة هذا الفعل في ميزان الشريعة الإسلامية. كما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم بين أن أحدهما كان لا يستنزه من بوله، والآخر كان يمشي بالنميمة، وهذا الحديث يبين أن النميمة رغم كونها مجرد كلام في ظاهرها، إلا أنها تحمل عقوبة شديدة في القبر تماثل عقوبة التساهل في أمور الطهارة، مما يدل على خطورتها البالغة رغم أن كثيرا من الناس قد يستهينون بها ويعدونها مجرد حديث عابر لا يستحق كل هذا الوعيد الشديد.


آثار الغيبة والنميمة على المجتمع المسلم
تترك الغيبة والنميمة آثارا مدمرة على نسيج المجتمع المسلم وتماسكه الاجتماعي، فمن أخطر هذه الآثار زرع الشك وعدم الثقة بين أفراد المجتمع الواحد، إذ حين ينتشر الحديث عن الآخرين في غيابهم، يصبح الجميع في حالة قلق دائم من أن يكونوا هدفا لمثل هذا الحديث المسيء في غيابهم أيضا، مما يضعف الروابط الاجتماعية ويحل محلها الحذر والريبة المتبادلة بين الناس. ومن الآثار الخطيرة أيضا تفكك العلاقات الأسرية والصداقات القديمة، فكثير من الخلافات العائلية والقطيعات بين الأصدقاء المقربين تبدأ بسبب نميمة نقلت كلاما مغرضا أو محرفا بين طرفين كانا على وفاق تام قبل تدخل هذا الوسيط المفسد بينهما. كما تسهم الغيبة في تشويه سمعة الأبرياء دون أن يكون لهم فرصة للدفاع عن أنفسهم أو تصحيح الصورة المغلوطة التي انتشرت عنهم، مما قد يلحق بهم ضررا اجتماعيا أو مهنيا كبيرا لا يتناسب أبدا مع حجم الخطأ الذي قد يكونون قد ارتكبوه فعلا إن وجد أصلا. وعلى المستوى الأوسع، فإن انتشار هاتين الآفتين في مجتمع ما يضعف من تماسكه العام ويجعله أكثر عرضة للتفكك والانقسامات الداخلية التي تستنزف طاقاته وتشتت جهوده عن قضاياه الأساسية المهمة.


الحالات المستثناة من تحريم الغيبة
استثنى العلماء من تحريم الغيبة حالات محددة تقتضيها مصلحة شرعية راجحة تفوق مفسدة ذكر الشخص بما يكره في غيابه، ومن أهم هذه الحالات التظلم، أي أن يشتكي المظلوم ممن ظلمه إلى من يملك رفع هذا الظلم عنه، فهذا ليس من الغيبة المحرمة بل هو حق مشروع للمظلوم. ومنها أيضا الاستعانة على تغيير المنكر، كأن يستشير المرء أحد أهل العلم أو الحكمة في كيفية إصلاح خطأ شخص معين أو ردعه عن منكر يرتكبه، فهذا يدخل في باب النصيحة والتعاون على البر والتقوى لا الغيبة المذمومة. ومن الحالات المستثناة أيضا الاستفتاء، كأن يسأل المرء عالما عن حكم شرعي في موقف معين مع ذكر تفاصيله التي قد تتضمن ذكر شخص بعينه، فهذا مباح إذا كان الغرض معرفة الحكم الشرعي الصحيح لا مجرد التشهير بذلك الشخص. ومنها أيضا تحذير المسلمين من شر شخص معين، كأن يحذر أحد الناس من التعامل مع تاجر معروف بالغش أو شخص معروف بسوء الأخلاق، فهذا من باب النصح الواجب لا الغيبة المحرمة. وأخيرا حالة الجرح والتعديل في رواية الحديث، إذ يجوز بيان ضعف بعض الرواة إذا كان في ذلك ضرورة لحماية الدين من دخول أحاديث ضعيفة أو موضوعة عليه، فهذه الحالات الاستثنائية جميعها تخدم مصلحة شرعية أعظم من مفسدة ذكر العيب في هذه السياقات المحددة.


كيفية التخلص من عادة الغيبة والنميمة
يحتاج المسلم إلى استراتيجيات عملية للتخلص من هاتين العادتين الخطيرتين إن وجد نفسه واقعا فيهما بشكل متكرر، ومن أهم هذه الاستراتيجيات استحضار عقوبة هذا الفعل في الآخرة، فمن تذكر أن حسناته قد تنتقل إلى من اغتابه يوم القيامة إن لم يكن لديه حسنات كافية للتعويض، سيفكر مليا قبل الخوض في أعراض الناس بلا مبرر شرعي مقبول. ومن الوسائل المهمة أيضا اختيار المجالس بعناية، فالابتعاد عن المجالس التي يكثر فيها هذا النوع من الحديث المسيء يحمي المسلم من الانزلاق فيه دون قصد مسبق منه، وإن اضطر لحضور مثل هذا المجلس، فينبغي أن يحاول تغيير الموضوع بلباقة، أو ينكر بقلبه إن عجز عن الإنكار بلسانه لسبب ما. كما يساعد استحضار عيوب النفس الشخصية على كف اللسان عن عيوب الآخرين، فمن انشغل بإصلاح نفسه لم يجد وقتا كافيا للانشغال بعيوب غيره وأخطائهم المختلفة. ومن المهم أيضا أن يتذكر المسلم أن من اغتابه أو تنمم عليه قد يفعل نفس الشيء معه في مجلس آخر، فمن يتحدث إليك عن الآخرين، سيتحدث إلى الآخرين عنك في وقت لاحق، وهذا الفهم العملي البسيط قد يردع كثيرا من الناس عن الانخراط في هذا السلوك المدمر اجتماعيا وأخلاقيا.


خاتمة: سلامة اللسان طريق سلامة القلب والمجتمع
تبقى الغيبة والنميمة من أخطر آفات اللسان التي حذر منها الإسلام تحذيرا شديدا، فهما ليستا مجرد أخطاء بسيطة يمكن التساهل فيها، بل هما سلوكيات مدمرة تنخر في أواصر المجتمع المسلم وتزرع فيه الشك والعداوة بدلا من المحبة والثقة المتبادلة. وينبغي على كل مسلم أن يحرص على سلامة لسانه من هاتين الآفتين، مستحضرا دائما وصية النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، فالصمت خير من كلام يجلب الإثم ويهدم العلاقات الاجتماعية بلا فائدة تذكر. فلنحرص جميعا على حفظ ألسنتنا من الخوض في أعراض الناس، ولنتذكر أن سلامة المجتمع المسلم من هاتين الآفتين تبدأ بسلامة كل فرد فيه على حدة، وأن أعظم صفات المؤمن الصادق أن يسلم الناس من لسانه ويده، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الجامع البليغ عن حقيقة الإسلام الصحيح.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

717

متابعهم

837

متابعهم

3751

مقالات مشابة
-