خديجة بنت خويلد.. أم المؤمنين الأولى وسند النبوة في بدايتها

خديجة بنت خويلد.. أم المؤمنين الأولى وسند النبوة في بدايتها

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

خديجة بنت خويلد.. أم المؤمنين الأولى وسند النبوة في بدايتها

image about خديجة بنت خويلد.. أم المؤمنين الأولى وسند النبوة في بدايتها
نبذة مختصرة: 

تعد خديجة رضي الله عنها أول زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأول من آمن به من النساء، وكانت سندا له في أصعب لحظات حياته، حتى بشرها الله ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، تاركة إرثا خالدا في الوفاء والدعم الحقيقي لأعظم رسالة عرفتها البشرية.


نشأة خديجة ومكانتها قبل الإسلام
كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها من أشراف قريش وأكثرهم مالا ونسبا، حتى لقبت بالطاهرة وسيدة نساء قريش لعفتها وكرم أخلاقها التي عرفت بها بين قومها جميعا دون استثناء. تزوجت قبل النبي صلى الله عليه وسلم مرتين وترملت، فأصبحت تدير تجارة واسعة النطاق بنفسها بحكمة ومهارة نادرتين في ذلك الزمان الذي كانت فيه المرأة نادرا ما تتولى مثل هذه المسؤوليات التجارية الكبيرة، مما يبين مدى قوة شخصيتها وكفاءتها الإدارية الاستثنائية التي جعلتها من أنجح تجار مكة في عصرها. حين سمعت عن أمانة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه اللذين اشتهر بهما بين قومه قبل بعثته، عرضت عليه أن يتاجر بمالها إلى الشام مقابل أجر مجز، فوافق وخرج بتجارتها، وحين عاد بربح عظيم فاق كل تجارتها السابقة، ازداد إعجابها بأمانته وحسن تدبيره، فأرسلت إليه تعرض عليه الزواج منها رغم أنها كانت أكبر منه سنا، في خطوة جريئة تعكس ثقتها الكاملة بحسن اختيارها وحكمتها في تقدير الرجال وكفاءتهم الحقيقية بعيدا عن المعايير السطحية التي كانت سائدة في مجتمعها آنذاك.


زواج خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم
تزوجت خديجة رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمره خمسا وعشرين سنة بينما كانت هي في الأربعين من عمرها تقريبا، وعاشا معا زواجا سعيدا مستقرا دام خمسة وعشرين عاما كاملة، لم يتزوج خلالها النبي صلى الله عليه وسلم عليها امرأة أخرى، وهذا يبين عمق المحبة والوفاء اللذين جمعا بينهما طوال هذه السنوات الطويلة. أنجبت خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم جميع أولاده تقريبا باستثناء إبراهيم الذي أنجبته له ماريا القبطية لاحقا، فكان له منها القاسم وعبد الله اللذان توفيا في صغرهما، وأربع بنات هن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهن جميعا، وكانت فاطمة أصغرهن سنا وأقربهن إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم. وقد استثمرت خديجة رضي الله عنها مالها وثروتها الواسعة في دعم زوجها الكريم في مختلف شؤون حياته، فوفرت له حياة مستقرة كريمة ساعدته على التفرغ للتأمل والتعبد قبل بعثته، وهذا الدعم المادي والمعنوي المستمر كان له أثر بالغ في تهيئة الظروف المناسبة لتلقي الوحي والرسالة العظيمة التي كانت تنتظره فيما بعد.


دور خديجة في اللحظات الأولى من الوحي
حين نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم لأول مرة في غار حراء، وعاد إلى بيته مرتجف الفؤاد خائفا مما رآه وسمعه، كانت خديجة رضي الله عنها أول من احتضنه وطمأنه في تلك اللحظة الحرجة التي قد تحدد مصير هذه الرسالة بأكملها إن لم يجد النبي صلى الله عليه وسلم من يقف بجانبه بثقة وحزم. فقد قالت له كلمات خالدة سجلها التاريخ الإسلامي بأحرف من نور، كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، مستدلة بأخلاقه الرفيعة التي عرفتها فيه طوال سنوات زواجهما على أن الله لن يتخلى عنه أو يخزيه في هذا الموقف الجديد الذي أصابه بالرعب والقلق الشديدين. ولم تكتف بهذا التطمين اللفظي فحسب، بل أخذته مباشرة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي كان على معرفة بالكتب السماوية السابقة، ليؤكد له صدق ما حدث معه وحقيقة كونه بداية نبوة حقيقية، وهذا يبين حكمة خديجة العملية في تحويل تطمينها العاطفي إلى فعل حقيقي يبدد قلق زوجها ويمنحه اليقين اللازم لمواجهة ما ينتظره من تحديات هائلة في المستقبل القريب.


تضحيات خديجة في سبيل الدعوة الإسلامية
حين بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته السرية، كانت خديجة رضي الله عنها أول من آمن به من النساء، بل أول من آمن به على الإطلاق من البشر جميعا حسب أكثر الروايات، وهذا يعطيها شرفا استثنائيا لا يضاهيه شرف آخر، إذ كانت أول من صدق هذه الرسالة العظيمة حتى قبل أن تنتشر أو تجد أي أنصار آخرين لها في ذلك الوقت المبكر. ولم يكن إيمانها مجرد تصديق لفظي فحسب، بل كان إيمانا عمليا تجسد في دعمها الكامل لزوجها في أصعب سنوات الدعوة، حين اشتد أذى قريش عليه وعلى من آمن معه، فقد أنفقت خديجة رضي الله عنها كل مالها في سبيل نصرة هذا الدين الجديد، حتى قال المؤرخون إنها أفنت ثروتها بالكامل في دعم الدعوة الإسلامية ومساندة المستضعفين من المسلمين الذين تعرضوا لاضطهاد قريش الشديد. وحين حاصرت قريش بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب محاولة تجويعهم وإجبارهم على تسليم النبي صلى الله عليه وسلم، شاركت خديجة رضي الله عنها هذا الحصار القاسي رغم كبر سنها وضعف صحتها، مؤثرة البقاء بجانب زوجها في أحلك الظروف على الراحة والأمان اللذين كان يمكن أن تنعم بهما لو تخلت عن هذا الموقف الصعب الذي اختارت الثبات فيه بإرادة حرة كاملة.


وفاة خديجة وعام الحزن
توفيت خديجة رضي الله عنها في السنة العاشرة من البعثة النبوية، بعد خروجها من شعب أبي طالب مباشرة، حين كانت صحتها قد أنهكها هذا الحصار الطويل القاسي، وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا عميقا جدا على وفاتها، حتى سمي ذلك العام بعام الحزن لتزامن وفاتها مع وفاة عمه أبي طالب الذي كان يحميه من بطش قريش، فاجتمع على النبي صلى الله عليه وسلم فقدان أعز الناس إليه في وقت واحد تقريبا، مما زاد من صعوبة الظروف التي كان يمر بها في تلك المرحلة الحرجة من دعوته. وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر خديجة رضي الله عنها بمحبة عميقة طوال حياته حتى بعد زواجه من نساء أخريات، فكان يذبح الشاة ويقطعها ويرسل منها إلى صديقاتها وفاء لذكراها، حتى غارت عائشة رضي الله عنها من هذا الحب المستمر رغم وفاة خديجة قبل زواجه بها، وقالت له في أحد المواقف ما غرت من امرأة كما غرت من خديجة، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بمحبة صادقة إني رزقت حبها، مؤكدا أن هذا الحب لم يكن مجرد ذكرى عابرة، بل كان امتنانا عميقا راسخا لامرأة وقفت بجانبه في أصعب وأحرج لحظات حياته دون تردد أو تراجع.


خاتمة: إرث خالد في الوفاء والتضحية
تبقى سيرة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها شاهدة على عظمة امرأة جمعت بين الحكمة التجارية والذكاء الشخصي والإيمان الصادق والتضحية الحقيقية في سبيل أعظم رسالة عرفتها البشرية. لقد أثبتت خديجة أن المرأة يمكن أن تكون سندا حقيقيا وشريكا فاعلا في أعظم القضايا الإنسانية، لا مجرد تابع سلبي ينتظر التوجيه من غيره، فقد كانت هي من بادرت بعرض الزواج، وهي من بادرت بالإيمان الأول، وهي من احتضنت النبي صلى الله عليه وسلم في أصعب لحظاته وأشدها رعبا. وقد بشرها الله من فوق سبع سماوات ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، عبر جبريل عليه السلام الذي بلغها هذه البشارة العظيمة مباشرة من الله سبحانه وتعالى، وهذا شرف عظيم لا يضاهيه شرف آخر يبين مكانتها الرفيعة عند الله جزاء إيمانها الصادق وتضحياتها العظيمة. وتظل ذكراها العطرة نموذجا خالدا يستلهم منه المسلمون عبر العصور معنى الوفاء الحقيقي والدعم الصادق في أصعب الظروف وأحلكها، مؤكدة أن أعظم الرجال يحتاجون دائما إلى نساء عظيمات يقفن بجانبهم في مسيرة تحقيق أعظم الرسالات الإنسانية.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

720

متابعهم

839

متابعهم

3752

مقالات مشابة
-