بدء الوحي.. اللحظة التي غيرت مسار التاريخ البشري

بدء الوحي.. اللحظة التي غيرت مسار التاريخ البشري

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

بدء الوحي.. اللحظة التي غيرت مسار التاريخ البشري

 

image about بدء الوحي.. اللحظة التي غيرت مسار التاريخ البشري
نبذة مختصرة: 

لحظة بدء الوحي على النبي في غار حراء من أعظم اللحظات في تاريخ البشرية، إذ كانت بداية رسالة غيرت مسار العالم، وقد حملت هذه اللحظة تفاصيل تعكس عظم هذا الحدث وأثره النفسي العميق على النبي قبل أن يستقر يقينه التام بحقيقة ما يحدث معه.


تحنث النبي في غار حراء
قبل بعثته بسنوات، كان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بنفور شديد من واقع مجتمعه المليء بعبادة الأصنام والانحرافات الأخلاقية المختلفة، فاعتاد أن يخرج إلى غار حراء، وهو كهف صغير في جبل قريب من مكة، يتعبد فيه ويتحنث الليالي ذوات العدد، أي يتفرغ للعبادة والتأمل بعيدا عن ضوضاء المدينة وانشغالاتها اليومية، متحنفا على ملة إبراهيم عليه السلام التي كان يعرف بقايا منها، رافضا في قرارة نفسه كل ما كان عليه قومه من شرك وضلال واضح. وكان يأخذ معه زادا يكفيه لهذه الفترة، فإذا نفد رجع إلى زوجته خديجة رضي الله عنها فتزوده بمثله ليعود مرة أخرى إلى الغار متابعا هذا التعبد والتأمل العميق، وهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمتلك فطرة سليمة نقية ترفض الباطل حتى قبل أن يوحى إليه رسميا بالنبوة، وأن هذه الفترة من التعبد والانعزال كانت تمهيدا إلهيا لتلقي أعظم رسالة عرفتها البشرية على مر تاريخها الطويل.


نزول الوحي لأول مرة
في ليلة عظيمة من ليالي شهر رمضان المبارك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء كعادته، جاءه الملك جبريل عليه السلام لأول مرة، فقال له اقرأ، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بصدق ما أنا بقارئ، إذ كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة، فأخذه جبريل عليه السلام وضمه ضما شديدا حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال له اقرأ، فكرر النبي صلى الله عليه وسلم نفس الإجابة، فضمه مرة ثانية بنفس الشدة ثم أرسله وقال اقرأ للمرة الثالثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ، فضمه للمرة الثالثة ثم أرسله وقال اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وهذه أول آيات نزلت من القرآن الكريم على الإطلاق، حاملة في مضمونها إشارة عميقة إلى أهمية القراءة والعلم في هذا الدين الجديد، رغم أن النبي الذي نزلت عليه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وهذا يحمل دلالة إعجازية عظيمة تؤكد أن هذا القرآن ليس من تأليف بشر، بل هو وحي إلهي محض نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقدرة الله وحكمته.


رعب النبي وعودته إلى خديجة
بعد هذه التجربة المهيبة وغير المسبوقة، عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته يرجف فؤاده من شدة الرعب والدهشة مما حدث معه للتو، فدخل على خديجة رضي الله عنها وهو في حالة اضطراب شديد، وقال لها زملوني زملوني، أي غطوني بالثياب، ففعلت ما طلب منها حتى ذهب عنه الروع، ثم أخبرها بما جرى معه بالتفصيل، وقال لها بصدق لقد خشيت على نفسي، خائفا من أن يكون ما حدث معه أمرا خطيرا كمس من الجن أو غيره من الأمور التي كانت شائعة في تصورات ذلك الزمان. لكن خديجة رضي الله عنها، بحكمتها وعمق معرفتها بشخصية زوجها النبيلة، طمأنته بكلمات خالدة تعكس فهما عميقا لطبيعة زوجها الصادق الأمين، فقالت له كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، مستدلة بهذه الصفات الأخلاقية الرفيعة التي عرفها فيه على أن الله لن يترك رجلا بهذه المكانة الأخلاقية دون رعاية أو حماية إلهية خاصة، وهذا يبين مدى عمق فهم خديجة رضي الله عنها لطبيعة الصلاح الحقيقي وارتباطه بحماية الله ورعايته لعباده الصالحين.


استشارة ورقة بن نوفل وتأكيد النبوة
لم تكتف خديجة رضي الله عنها بتطمين زوجها بكلماتها الحكيمة، بل أخذته مباشرة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وهو رجل مسن كان قد تنصر في الجاهلية وقرأ الكتب السابقة وكان يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، فحدثه النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه في الغار، فقال له ورقة بمعرفة ودراية عميقة هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، أي يا ليتني شابا قويا حين يخرجك قومك، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم متعجبا أومخرجي هم، فأجابه ورقة بيقين تام نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، مؤكدا أن ما حدث معه هو نفس الوحي الذي نزل على الأنبياء السابقين كموسى عليه السلام، وأن هذه بداية رسالة حقيقية ستواجه معارضة شديدة من قومه، تماما كما واجه الأنبياء من قبله معارضة أقوامهم لدعواتهم. وقد توفي ورقة بن نوفل بعد فترة وجيزة من هذا اللقاء، دون أن يشهد بداية الدعوة العلنية أو ما تنبأ به من معارضة قريش لهذه الرسالة الجديدة، لكن شهادته هذه كانت من أوائل الشهادات المؤكدة لصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من شخص يمتلك معرفة سابقة بالكتب المقدسة وتاريخ الأنبياء.


فترة فتور الوحي وتجدد نزوله
بعد هذه التجربة الأولى المهيبة، مر النبي صلى الله عليه وسلم بفترة توقف فيها الوحي مدة من الزمن، وهذه الفترة عرفت بفترة فتور الوحي، وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا خلال هذه المرحلة، حتى إن بعض الروايات تذكر أنه كان يذهب إلى شواهق الجبال ليتردى منها من شدة القلق والخوف من انقطاع هذا الاتصال الإلهي الذي بدأ يشعر بأهميته العظيمة رغم الرعب الأولي الذي اعتراه، وهذا يبين مدى تعلقه الشديد بهذا الوحي بعد أن ذاق حلاوته الأولى، وخوفه من أن يكون قد تخلى الله عنه أو أن هذه التجربة كانت مجرد حادثة عابرة لن تتكرر مرة أخرى. لكن الله سبحانه وتعالى، برحمته وحكمته، أنزل بعد هذه الفترة سورة الضحى التي طمأنت النبي صلى الله عليه وسلم تماما، إذ قال الله فيها ما ودعك ربك وما قلى، مؤكدا أن هذا التوقف المؤقت لم يكن هجرا أو تخليا، بل كان جزءا من الحكمة الإلهية في تربية النبي صلى الله عليه وسلم وإعداده تدريجيا لتحمل عبء هذه الرسالة العظيمة، وبعد هذه السورة المطمئنة، استمر الوحي في النزول بانتظام أكبر، لينطلق بعدها مشوار الدعوة الإسلامية بكامل قوتها وزخمها التاريخي العظيم.


خاتمة: بداية نور امتد لكل العالمين
تبقى لحظة بدء الوحي من أعظم اللحظات في تاريخ البشرية جمعاء، فهي لم تكن مجرد حدث شخصي يخص النبي صلى الله عليه وسلم وحده، بل كانت بداية رسالة عالمية شاملة غيرت مجرى التاريخ الإنساني بأكمله، وأخرجت أمما كثيرة من الظلمات إلى النور. وتحمل هذه اللحظة دروسا عميقة، منها أن التهيؤ الروحي والانعزال المؤقت للتأمل قد يكون مقدمة لأعظم التحولات في حياة الإنسان، كما ظهر في تحنث النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء قبل بعثته. ومنها أيضا أهمية وجود شريك حياة داعم وحكيم في اللحظات الحرجة، كما ظهر في موقف خديجة رضي الله عنها المؤثر الذي طمأن النبي صلى الله عليه وسلم في أصعب لحظة مر بها في حياته. وتبقى هذه اللحظة التاريخية العظيمة رمزا خالدا لبداية نور امتد ليشمل كل أنحاء الأرض، مذكرة كل مسلم بعظمة هذه الرسالة التي بدأت بكلمة اقرأ في كهف صغير معزول، لتصبح فيما بعد أعظم رسالة عرفتها البشرية على مر تاريخها الطويل والحافل.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

721

متابعهم

839

متابعهم

3752

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-