قصة أصحاب الجنة.. حين حرم البخل أصحابه من ثمارهم

قصة أصحاب الجنة.. حين حرم البخل أصحابه من ثمارهم

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

قصة أصحاب الجنة.. حين حرم البخل أصحابه من ثمارهم

image about قصة أصحاب الجنة.. حين حرم البخل أصحابه من ثمارهم
نبذة مختصرة: 

تعد قصة أصحاب الجنة التي وردت في سورة القلم من القصص التي تحذر من خطر البخل ونسيان حق الفقراء في المال، فقد كان لرجل صالح بستان يتصدق منه على المساكين، فلما مات عزم أبناؤه على منع هذه الصدقة طمعا في زيادة نصيبهم، فعاقبهم الله بإهلاك بستانهم بالكامل، تاركا عبرة خالدة لكل من يحرم الفقراء حقهم طمعا في المال.


قصة الأب الصالح وبستانه المبارك
تحكي هذه القصة القرآنية عن رجل صالح كان يملك بستانا عظيما مليئا بالأشجار المثمرة، وكان هذا الرجل معروفا بصلاحه وكرمه، إذ كان يحرص على ترك نصيب من ثمار هذا البستان للفقراء والمساكين الذين يأتون وقت الحصاد يلتقطون ما يسقط من الثمار أو ما يترك لهم عمدا من الرجل الصالح تقربا إلى الله وإحسانا إلى المحتاجين من أبناء مجتمعه. وقد استمر هذا الرجل الصالح على هذه العادة الحميدة طوال حياته، محافظا على حق هؤلاء المساكين في هذه الصدقة السنوية المنتظمة التي كانوا يعتمدون عليها ويترقبونها كل موسم حصاد، وهذا يبين أن هذا البستان لم يكن مجرد ملكية خاصة يتصرف فيها صاحبها وحده كيفما شاء، بل كان يحمل في طياته بعدا اجتماعيا مهما يربط صاحبه بمن حوله من المحتاجين عبر هذا التقليد الخيري المستمر الذي أصبح جزءا من هوية هذا البستان وسمعته الطيبة بين الناس.


تخطيط الأبناء لحرمان الفقراء
حين توفي هذا الأب الصالح وورث أبناؤه البستان من بعده، بدأ هؤلاء الأبناء يفكرون بطريقة مختلفة تماما عن والدهم، إذ رأوا أن نصيب الفقراء من هذا البستان يقلل من أرباحهم الشخصية، فقرروا فيما بينهم أن يقسموا هذه الثمار سرا في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ المساكين أو يعلموا بموعد الحصاد، متجنبين بذلك إعطاءهم نصيبهم المعتاد الذي اعتادوا الحصول عليه في عهد أبيهم الصالح. وقد أقسموا فيما بينهم على هذه الخطة بحلف مؤكد ليصرمن ثمرها مصبحين، أي في الصباح الباكر جدا، ولم يستثنوا في قسمهم هذا مشيئة الله، فلم يقولوا إن شاء الله كما ينبغي للمسلم أن يفعل عند العزم على أي أمر مستقبلي، وهذا إغفال خطير يعكس غرورهم بقدرتهم على تنفيذ خطتهم دون أي اعتبار لمشيئة الله وقدرته على تغيير مجرى الأحداث في أي لحظة يشاؤها سبحانه وتعالى، مما يبين أن هذا التخطيط لم يكن فقط بخلا بحق الفقراء، بل كان أيضا غفلة عن حقيقة أن كل الأمور بيد الله وحده مهما بدت الخطط البشرية محكمة ومضمونة النتائج في ظاهرها.


العذاب الإلهي الذي حل بالبستان
بينما كان هؤلاء الإخوة نائمين، مطمئنين لخطتهم المحكمة التي ظنوا أنها ستمكنهم من حرمان الفقراء بسهولة تامة، طاف على بستانهم طائف من ربك وهم نائمون، وهذا التعبير القرآني يشير إلى عذاب إلهي مفاجئ نزل على هذا البستان ليلا دون أي سابق إنذار، فأصبحت كالصريم، أي كالليل المظلم المحترق الخالي من أي أثر للحياة أو الخضرة، في تحول مروع من بستان مثمر عامر بالخير إلى أرض قاحلة محترقة تماما. وحين استيقظ الإخوة في الصباح الباكر متحمسين لتنفيذ خطتهم، تنادوا فيما بينهم بأن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين، أي هيا بنا نسرع إلى بستاننا لنقطف ثماره كما اتفقنا، فانطلقوا وهم يتخافتون فيما بينهم أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، حريصين حتى في هذه اللحظات الأخيرة على ضمان عدم دخول أي فقير إلى بستانهم، وقد غدوا على قدر مبكر جدا حرصا على تنفيذ خطتهم البخيلة، لكنهم فوجئوا حين وصلوا بالمشهد المروع الذي كان ينتظرهم.


صدمة الأبناء وندمهم المتأخر
حين وصل الإخوة إلى بستانهم ورأوا هذا الدمار الكامل الذي حل به، لم يصدقوا أعينهم في البداية، فقالوا إنا لضالون، ظانين أنهم أخطأوا الطريق ووصلوا إلى بستان آخر غير بستانهم المعروف، لكنهم سرعان ما أدركوا حقيقة الأمر المروعة، فقالوا بل نحن محرومون، معترفين بأن ما حدث هو عقوبة إلهية حقيقية حرمتهم من ثمار بستانهم بالكامل جزاء نيتهم السيئة وخطتهم البخيلة التي أرادوا تنفيذها. وفي هذه اللحظة الحرجة، برز أوسطهم، أي أعدلهم وأكثرهم اعتدالا في الرأي، فقال لهم بحكمة متأخرة ألم أقل لكم لولا تسبحون، أي لماذا لم تذكروا الله وتستثنوا مشيئته حين عزمتم على هذا الأمر، مذكرا إياهم بأن هذا العذاب كان نتيجة مباشرة لغرورهم وإغفالهم لحق الله في التسبيح والتسليم لمشيئته قبل الشروع في أي عمل مستقبلي. فتوجه الإخوة عندها بالتسبيح والاعتراف بالخطأ، قائلين سبحان ربنا إنا كنا ظالمين، معترفين بظلمهم لأنفسهم وللفقراء الذين حرموهم من حقهم المعتاد في هذه الثمار، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون على هذا التخطيط الفاسد الذي أدى بهم إلى هذه الخسارة الفادحة التي لم يكونوا يتوقعونها إطلاقا.


دلالة القصة وسياقها في سورة القلم
جاءت هذه القصة في سياق تحذير الله لأهل مكة المشركين من مصير مشابه إن استمروا في كفرهم وعنادهم، فقد ضرب الله بها مثلا يبين أن نعمه على الناس ليست مضمونة الاستمرار مهما بدت ثابتة، بل هي عرضة للزوال في أي لحظة إن قابلها الإنسان بالكفران والبخل بدلا من الشكر والعطاء. وقد أشار الله في مقدمة السورة إلى أنه سيبتلي أهل مكة بمثل ما ابتلى به أصحاب الجنة، إذ قال إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة، مما يبين أن هذه القصة ليست مجرد حكاية تاريخية منفصلة، بل هي إنذار مباشر لمن يسمعها من أهل مكة الذين كانوا يبخلون بحقوق الفقراء ويصدون عن سبيل الله رغم النعم الكثيرة التي أنعم الله بها عليهم. وهذا يبين أسلوبا قرآنيا متكررا في استخدام القصص التاريخية كعبرة ودرس معاصر للمخاطبين المباشرين، بحيث لا يبقى الدرس حبيس التاريخ، بل يتجدد أثره في كل زمان يوجد فيه من يبخل بحق الفقراء أو يغفل عن شكر النعم التي أنعم الله بها عليه من مال أو رزق أو غيرهما من صنوف الخير الذي قد يزول في أي لحظة يشاؤها الله سبحانه وتعالى.


خاتمة: دروس خالدة في البخل والشكر
تحمل قصة أصحاب الجنة دروسا عميقة تلامس واقع كل إنسان يمتلك مالا أو نعمة يمكن أن يشارك فيها من حوله من المحتاجين، فمنها أن حق الفقراء في المال ليس تفضلا اختياريا يمكن التنازل عنه بسهولة، بل هو حق ثابت ينبغي المحافظة عليه واستمراره، كما فعل الأب الصالح طوال حياته قبل أن يخالف أبناؤه هذا النهج الكريم بعد وفاته. ومنها أيضا خطورة التخطيط لأي أمر دون استحضار مشيئة الله والتسليم لقدرته المطلقة على تغيير مجرى الأحداث، فالإخوة الذين أهملوا قول إن شاء الله وجدوا خطتهم المحكمة تنهار في ليلة واحدة أمام قدرة الله التي لا يعجزها شيء. وتعلمنا القصة أيضا أن النعم مهما بدت ثابتة ومستقرة، فهي عرضة للزوال إن قابلها الإنسان بالكفران والبخل بدلا من الشكر والعطاء المستمر. وتبقى هذه القصة العظيمة تحذيرا خالدا لكل من يفكر في حرمان الفقراء من حقهم طمعا في مزيد من الثراء الشخصي، ليتذكر دائما أن البركة الحقيقية في المال تكمن في مشاركته مع المحتاجين، لا في احتكاره والبخل به عنهم.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

728

متابعهم

846

متابعهم

3795

مقالات مشابة
-