الرحمة في الإسلام.. صفة الرحمن التي أمرنا أن نتخلق بها

الرحمة في الإسلام.. صفة الرحمن التي أمرنا أن نتخلق بها

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الرحمة في الإسلام.. صفة الرحمن التي أمرنا أن نتخلق بها

image about الرحمة في الإسلام.. صفة الرحمن التي أمرنا أن نتخلق بها
نبذة مختصرة: 

تعد الرحمة من أعظم الصفات التي وصف الله بها نفسه ، وأمر بها عباده المؤمنين في تعاملهم مع كل مخلوقاته، حتى وصف النبي بأنه لم يبعث إلا رحمة للعالمين، فما حقيقة هذه الرحمة الشاملة؟ وكيف تتجلى في مختلف جوانب الحياة من العبادة إلى المعاملة اليومية مع الناس والحيوان؟


الرحمة صفة إلهية أساسية
تحتل الرحمة مكانة محورية في التصور الإسلامي عن الله سبحانه وتعالى، حتى إن كل سورة من سور القرآن الكريم تقريبا تبدأ بذكرها في البسملة بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا التكرار المستمر لهذين الاسمين الكريمين يبين مدى أهمية هذه الصفة في فهم طبيعة العلاقة بين الله وعباده. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحديث عظيم يبين سعة هذه الرحمة الإلهية، إذ قال إن لله مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة، وهذا الحديث يبين أن كل ما نراه من رحمة وعطف في هذا العالم، حتى بين الحيوانات، ليس سوى جزء واحد بسيط من مئة جزء من رحمة الله الواسعة التي ادخر معظمها للآخرة. وقد كتب الله على نفسه الرحمة كما أخبر في حديث قدسي عظيم، وهذا يعني أن الرحمة ليست صفة عارضة يمكن أن تتخلف عن الله في بعض الأحيان، بل هي صفة لازمة راسخة تحكم تعامله سبحانه مع خلقه أجمعين، حتى في مواقف القضاء والحساب التي يتخللها العدل الإلهي المطلق.


النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين
وصف الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين، وهذا وصف جامع شامل لا يقتصر على المسلمين وحدهم، بل يمتد ليشمل البشرية جمعاء بمختلف أديانها وأعراقها، بل حتى الكائنات غير البشرية كالحيوان والبيئة المحيطة بالإنسان. وقد ظهرت هذه الرحمة النبوية في مواقف عملية عديدة توثقها كتب السيرة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيما بالأطفال حتى إنه كان يقطع صلاته أحيانا إن سمع بكاء طفل رحمة بأمه وخشية أن يشق عليها طول الصلاة وهي منشغلة بابنها الباكي، وكان رحيما بالحيوان حتى نهى عن اتخاذها غرضا للرمي أو تجويعها أو تحميلها فوق طاقتها، وأخبر أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا. وقد ظهرت رحمته أيضا في تعامله مع أعدائه، فحين دخل مكة فاتحا بعد سنوات من الأذى والاضطهاد الذي تعرض له من أهلها، لم ينتقم منهم بل عفا عنهم قائلا اذهبوا فأنتم الطلقاء، في مشهد يجسد أعلى درجات الرحمة حتى مع من كانوا يستحقون العقاب الشديد وفق موازين العدالة البشرية المعتادة.


الرحمة في العبادات والتشريعات الإسلامية
تتجلى الرحمة الإلهية بوضوح في طبيعة التشريعات الإسلامية نفسها، فقد جاءت الشريعة مراعية لظروف الناس وطاقاتهم المختلفة، فرخص الله للمريض والمسافر الفطر في رمضان، ورخص للعاجز عن الوضوء بالماء أن يتيمم، ورخص للمريض أن يصلي جالسا أو مضطجعا إن عجز عن القيام، وهذه التخفيفات المتعددة تبين أن الله لم يشرع لعباده تكاليف تفوق طاقتهم، بل راعى في كل تشريعاته حال الضعف البشري وظروفه المتغيرة. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحديث بليغ يبين هذه الروح الرحيمة في الدين، إذ قال إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، وهذا يعلمنا أن التشدد المفرط في الدين ليس من روح الإسلام الحقيقية، بل الوسطية والتيسير هما المنهج الصحيح الذي أراده الله لعباده. كما تظهر الرحمة في نظام التوبة الإسلامي الذي يفتح بابا واسعا لكل مذنب مهما عظمت ذنوبه، فالله يقبل توبة عباده مهما تأخروا في الرجوع إليه، ما لم تبلغ الروح الحلقوم أو تطلع الشمس من مغربها، وهذا يبين رحمة واسعة تمنح كل إنسان فرصة حقيقية للإصلاح والتغيير مهما كان ماضيه مثقلا بالأخطاء والمعاصي.


الرحمة في التعامل مع الناس
أمر الإسلام المسلمين بالتراحم فيما بينهم كصفة أساسية يجب أن تحكم علاقاتهم المتبادلة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهذا التشبيه البليغ يبين أن رحمة المسلم بأخيه المسلم ليست خيارا شخصيا يترك لتقدير الفرد، بل هي واجب ديني يعكس حقيقة الترابط العضوي بين أفراد الأمة الإسلامية الواحدة. وتشمل هذه الرحمة رعاية الضعفاء والمساكين واليتامى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كافل اليتيم له وله في الجنة هكذا، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى مقرونتين، مبينا القرب الشديد الذي يناله من يرحم هؤلاء المستضعفين ويهتم بشؤونهم. كما تمتد هذه الرحمة لتشمل حسن معاملة الخدم والعمال، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق، وهذا يبين أن الرحمة في الإسلام ليست مجرد شعور عاطفي، بل منهج عملي يترجم إلى حقوق ملموسة يجب مراعاتها في التعامل مع كل من هم تحت رعاية المسلم أو مسؤوليته المباشرة.


الرحمة بالحيوان والبيئة
لم يقتصر مفهوم الرحمة في الإسلام على البشر فحسب، بل امتد ليشمل الحيوان والبيئة المحيطة، وهذا بعد قد يغفل عنه كثير من الناس رغم وضوحه في النصوص الشرعية. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش، فنزل بئرا وملأ خفه ماء وسقاه، فشكر الله له فغفر له، مؤكدا أن الرحمة بالحيوان مهما بدت بسيطة يمكن أن تكون سببا في مغفرة الذنوب ورضا الله عن عبده. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان في الذبح، فقال إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته، وهذا يبين اهتماما دقيقا حتى في تفاصيل قد يظن البعض أنها لا تستحق كل هذه العناية، لكن الإسلام يعلمنا أن الرحمة يجب أن تحضر حتى في أصعب المواقف. وفيما يتعلق بالبيئة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قطع الأشجار المثمرة بلا سبب، وعن الإسراف في استخدام الماء حتى لو كان المسلم على شاطئ نهر جار، مما يبين رؤية شاملة للرحمة تتجاوز التعامل مع الكائنات الحية إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية التي سخرها الله للإنسان لينتفع بها دون إفراط أو إسراف يضر بالأجيال القادمة.


خاتمة: الرحمة طريق نيل رحمة الله
تبقى الرحمة من أعظم الصفات التي دعا الإسلام إلى التخلق بها في مختلف مناحي الحياة، فهي ليست مجرد شعور عاطفي عابر، بل منهج شامل يحكم علاقة المسلم بربه وبنفسه وبمن حوله من الناس والحيوان والبيئة على حد سواء. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحديث جامع يلخص هذا المعنى العميق، إذ قال الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وهذا الربط المباشر بين رحمة الإنسان بمن حوله ورحمة الله به يبين أن الرحمة ليست مجرد فضيلة أخلاقية مستحسنة، بل هي طريق مباشر لنيل رحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء. فلنحرص جميعا على التخلق بهذه الصفة العظيمة في كل تعاملاتنا اليومية، مع أهلنا وجيراننا وحتى مع الحيوان والبيئة من حولنا، ولنستحضر دائما أن رحمتنا بخلق الله هي أقرب الطرق لنيل رحمته سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة معا.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

728

متابعهم

846

متابعهم

3795

مقالات مشابة
-