عثمان بن عفان.. ذو النورين الذي جمع القرآن ووسع المسجد النبوي
عثمان بن عفان.. ذو النورين الذي جمع القرآن ووسع المسجد النبوي

نبذة مختصرة:
يعد عثمان بن عفان عنه ثالث الخلفاء الراشدين، ولقب بذي النورين لزواجه من ابنتي النبي على التوالي، واشتهر بكرمه وحيائه، وقدم خدمات جليلة للإسلام أعظمها جمع القرآن في مصحف واحد ، وتوسعة المسجد النبوي، قبل أن يستشهد مظلوما وهو يقرأ القرآن الكريم في بيته.
إسلام عثمان وزواجه من بنات النبي
كان عثمان بن عفان رضي الله عنه من أثرياء قريش المعروفين وأكثرهم شرفا ونسبا، وقد أسلم مبكرا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، متحملا في سبيل ذلك أذى شديدا من عمه الحكم بن أبي العاص الذي عذبه وربطه بالحبال محاولا إرجاعه عن دينه الجديد، لكن عثمان ثبت على إيمانه رغم كل هذا العذاب. تزوج عثمان رضي الله عنه من رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجر بها إلى الحبشة هجرتين متتاليتين فرارا بدينه من اضطهاد قريش، وحين توفيت رقية في المدينة، زوجه النبي صلى الله عليه وسلم من ابنته الأخرى أم كلثوم، فاستحق بذلك لقب ذي النورين لكونه الصحابي الوحيد الذي جمع بين الزواج من ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم على التوالي، وهذا شرف عظيم لم يحظ به أحد غيره من الصحابة، ويبين مدى قربه ومكانته الرفيعة عند النبي صلى الله عليه وسلم الذي اختاره زوجا لابنتيه الكريمتين تتابعا رغم وجود كثير من كبار الصحابة الآخرين الذين كان يمكن أن يقع عليهم هذا الاختيار.
كرم عثمان وإنفاقه في سبيل الله
اشتهر عثمان بن عفان رضي الله عنه بكرمه الفياض وإنفاقه السخي في سبيل الله، حتى أصبح مضرب المثل في هذا الجانب بين الصحابة رضوان الله عليهم، ومن أبرز مواقفه في هذا المجال حين اشترى بئر رومة من يهودي كان يبيع الماء لأهل المدينة بأثمان باهظة، فاشتراها عثمان بماله الخاص ووقفها للمسلمين جميعا يشربون منها مجانا دون مقابل، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة على هذا العمل الجليل الذي أراح المسلمين من ضائقة كبيرة كانوا يعانون منها. ومن مواقفه العظيمة أيضا في غزوة تبوك حين جهز جيش المسلمين بماله الخاص في وقت كانت فيه الحاجة ماسة جدا للمؤن والعتاد، فتصدق بمبلغ ضخم من المال والإبل، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، مؤكدا أن هذا العمل العظيم كفيل وحده بمغفرة ذنوب كثيرة قد يقع فيها عثمان مستقبلا، وهذا يبين مدى عظم هذا الإنفاق في هذا الموقف الحرج الذي كان يمر به المسلمون في تلك الغزوة الشاقة التي عرفت بغزوة العسرة لصعوبة ظروفها وقلة الزاد فيها.
عثمان في خلافته وتوسعة الدولة الإسلامية
تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة بعد استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستمرت خلافته اثنتي عشرة سنة كاملة شهدت فيها الدولة الإسلامية توسعا كبيرا في رقعتها الجغرافية، إذ فتحت في عهده أراض واسعة في أفريقيا الشمالية وآسيا الوسطى، وامتدت الفتوحات لتشمل مناطق لم تكن قد فتحت من قبل في عهدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. كما اهتم عثمان رضي الله عنه بتطوير البنية التحتية للدولة الإسلامية، فأنشأ أول أسطول بحري إسلامي لحماية السواحل الإسلامية من هجمات الروم البحرية، وهذا كان إنجازا عسكريا مهما لم تكن العرب تعرفه من قبل، إذ لم يكونوا أهل بحر بطبيعتهم، لكن ضرورات التوسع والدفاع دفعت عثمان لتطوير هذه القوة البحرية الجديدة التي لعبت دورا مهما في حماية الدولة الإسلامية من التهديدات الخارجية القادمة عبر البحر المتوسط. وقد وسع عثمان رضي الله عنه أيضا المسجد النبوي الشريف توسعة كبيرة استوعبت الأعداد المتزايدة من المسلمين الذين توافدوا على المدينة المنورة، مواصلا بذلك ما بدأه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما من قبله في الاهتمام بهذا المسجد المبارك.
جمع القرآن الكريم في مصحف واحد
يعد جمع القرآن الكريم في مصحف واحد موحد من أعظم الإنجازات التي قام بها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد جاء هذا العمل العظيم استجابة لضرورة ملحة ظهرت مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتفرق الصحابة في الأمصار المختلفة، إذ بدأت تظهر اختلافات في طريقة قراءة بعض الكلمات القرآنية بين المسلمين في مختلف المناطق، مما أثار قلق حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي شهد هذه الخلافات بنفسه أثناء غزوة أرمينية وأذربيجان، فأسرع إلى عثمان محذرا من خطورة استمرار هذا الاختلاف الذي قد يؤدي إلى فرقة كبيرة بين المسلمين، مستشهدا بما حدث لأهل الكتاب من قبلهم من تحريف كتبهم واختلافهم فيها. فشكل عثمان رضي الله عنه لجنة من كبار الصحابة الحفاظ برئاسة زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكلفهم بنسخ القرآن الكريم من الصحف التي كانت محفوظة عند حفصة رضي الله عنها منذ عهد أبي بكر الصديق، في مصاحف موحدة تعتمد على قراءة قريش التي نزل بها القرآن أصلا، ثم أرسل هذه المصاحف الموحدة إلى الأمصار الإسلامية المختلفة، وأمر بإحراق ما عداها من الصحف الفردية التي كانت قد تحمل اختلافات في طريقة الكتابة أو الترتيب، تحقيقا لوحدة المسلمين حول نص قرآني موحد لا يقبل الاختلاف أو التحريف، وهذا العمل العظيم الذي قام به عثمان رضي الله عنه يعد من أجل الخدمات التي قدمت للإسلام على مر التاريخ، إذ حفظ للأمة كتابها المقدس موحدا سالما من أي تحريف إلى يومنا هذا.
الفتنة التي أدت إلى استشهاده
واجه عثمان بن عفان رضي الله عنه في أواخر خلافته فتنة كبيرة أثارها بعض المغرضين الذين استغلوا بعض القرارات الإدارية التي اتخذها في تعيين بعض ولاته من أقاربه، محاولين تصويرها على أنها محاباة شخصية رغم أن هؤلاء الولاة كانوا في الغالب من ذوي الكفاءة والخبرة، وقد سعى هؤلاء المغرضون لإثارة الفتنة بين المسلمين وتحريضهم على الخليفة الشرعي عبر نشر شائعات وأكاذيب متعددة عن سياساته وقراراته. تجمع عدد من الثائرين من مختلف الأمصار وحاصروا بيت عثمان رضي الله عنه في المدينة مطالبين إياه بالتنازل عن الخلافة أو تلبية مطالبهم المختلفة، لكن عثمان رضي الله عنه رفض بحزم أن يخلع قميص الخلافة الذي ألبسه إياه الله، خشية أن يفتح بذلك بابا خطيرا لعزل الخلفاء بالقوة والتهديد في المستقبل، وهذا الموقف الحازم كان نابعا من حكمة سياسية بعيدة النظر أدرك من خلالها خطورة السابقة التي قد يرسخها لو تنازل تحت ضغط التهديد والحصار. وحين اشتد الحصار وانقطعت عنه الإمدادات، رفض عثمان رضي الله عنه أن يأذن بالقتال دفاعا عنه حقنا لدماء المسلمين وتجنبا لفتنة أكبر قد تنشب بين المسلمين أنفسهم، حتى اقتحم الثائرون بيته في النهاية واستشهد رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن الكريم في بيته، في مشهد مأساوي مؤثر يجسد نهاية مأساوية لحياة حافلة بالعطاء والتضحية في سبيل الإسلام والمسلمين.
خاتمة: إرث خالد من الحياء والعطاء
تبقى سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه شاهدة على عظمة رجل جمع بين الثراء والزهد، وبين الكرم الفياض والحياء الشديد الذي وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال إن الملائكة لتستحي منه، حتى إنه صلى الله عليه وسلم كان يغطي ساقيه حين دخل عليه عثمان رضي الله عنه احتراما لحيائه الشديد المعروف بين الصحابة جميعا. لقد ترك عثمان رضي الله عنه إرثا خالدا لا يزال المسلمون يستفيدون منه إلى يومنا هذا، فأهم إنجاز خلده التاريخ هو جمعه للقرآن الكريم في مصحف واحد موحد حفظ للأمة كتابها المقدس من أي تحريف أو اختلاف عبر القرون المتعاقبة. وتظل نهايته المأساوية درسا خالدا في خطورة الفتن وسرعة انتشارها حين تجد بيئة مهيأة لاستقبالها، وفي أهمية الصبر والحكمة في التعامل مع الأزمات السياسية الكبرى، وقد بقيت سيرته العطرة مثالا يحتذى في الكرم والحياء والعطاء المستمر في سبيل خدمة الإسلام والمسلمين حتى آخر لحظة من حياته المباركة التي ختمها بتلاوة كتاب الله العزيز.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق