الرقية الشرعية.. حصن المسلم من العين والسحر والحسد
الرقية الشرعية.. حصن المسلم من العين والسحر والحسد

نبذة مختصرة:
تعد الرقية الشرعية من أعظم الوسائل التي أباحها الإسلام للتحصن من الأذى الروحي والجسدي، سواء كان مصدره عينا حاسدة أو سحرا أو مسا من الجن، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم بها وحدد ضوابطها الشرعية، ليكون المسلم على بصيرة من أمره في التعامل مع هذا الجانب المهم من جوانب الحماية الروحية.
مشروعية الرقية وأصلها الشرعي
تستمد الرقية الشرعية مشروعيتها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، فقد كان يرقي نفسه وأصحابه عند المرض أو الشكوى، وأجاز لأصحابه الرقية بشرط ألا تتضمن شركا، فقد سئل عن الرقى التي كانوا يستخدمونها في الجاهلية، فطلب أن تعرض عليه، فلما رآها قال لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك، وهذا الضابط الجوهري يبين أن الإسلام لم يحرم الرقية بإطلاق، بل أباحها ضمن شروط محددة تضمن سلامة العقيدة وخلوها من أي مظاهر شركية قد تتسلل إليها. وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في مرض موته بالمعوذات، وكان ينفث في يديه ثم يمسح بهما جسده الشريف، كما رقى الحسن والحسين رضي الله عنهما بدعاء أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، وأخبر أن هذا الدعاء كان أبوهما إبراهيم عليه السلام يعوذ به إسماعيل وإسحاق، مما يدل على أن الرقية الشرعية سنة قديمة عرفها الأنبياء من قبل، وليست بدعة مستحدثة في الإسلام، بل هي امتداد لسنة إبراهيمية أصيلة أقرها الإسلام وهذبها من كل شائبة شركية قد تكون علقت بها عبر العصور.
شروط صحة الرقية الشرعية
وضع العلماء ثلاثة شروط أساسية لصحة الرقية الشرعية وجواز الاستعانة بها، أولها أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، أو بما ثبت من الأدعية النبوية المأثورة، فلا يجوز الرقية بألفاظ مجهولة المعنى أو كلمات لا يفهم المرء مضمونها، فقد يكون فيها ما يخالف الشرع دون علم الراقي أو المرقي بذلك. وثانيها أن تكون باللغة العربية أو بما يفهم معناه من اللغات الأخرى، فلا يجوز الرقية بألفاظ أعجمية غير مفهومة قد تحمل معاني شركية أو استغاثة بغير الله دون علم المستخدم لها. وثالث هذه الشروط أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية سبب من الأسباب لا تؤثر بذاتها استقلالا، وأن الشفاء الحقيقي بيد الله وحده، فالرقية مجرد وسيلة يستعان بها كسائر الأدوية والأسباب المادية الأخرى، دون أن يعتقد المسلم أن كلمات الرقية نفسها تملك قوة ذاتية للشفاء بمعزل عن مشيئة الله وتقديره، فمتى توفرت هذه الشروط الثلاثة، كانت الرقية جائزة بل مستحبة، وتحولت إلى سبب مشروع من أسباب الشفاء التي أباحها الإسلام لعباده المؤمنين.
أدلة الرقية من السنة النبوية
وردت أحاديث كثيرة تبين مشروعية الرقية وفضلها العظيم، فمن أشهرها حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم من صفاتهم أنهم لا يسترقون، أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، وهذا لا يعني تحريم الرقية بحال، بل يدل على أن ترك طلب الرقية من الآخرين والاكتفاء برقية النفس أو الاعتماد على الله مباشرة أعلى درجة في التوكل، لكن هذا لا ينفي جواز طلب الرقية أو الاسترقاء عند الحاجة الفعلية. وقد رقى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء مشهور بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك، وهذا يبين أن الرقية سنة أقرها الوحي نفسه، إذ نزل بها جبريل عليه السلام لرقية النبي صلى الله عليه وسلم شخصيا. كما ثبت أن عائشة رضي الله عنها كانت تنفث على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه بالمعوذات وتمسح بيده رجاء بركتها، مما يبين استمرار هذه السنة العملية بين الصحابة رضوان الله عليهم حتى في أدق اللحظات وأصعبها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
الرقية من العين والحسد
تعد الرقية من العين والحسد من أكثر أنواع الرقية شيوعا وحاجة بين المسلمين، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العين حق، أي أن تأثيرها على المصاب بها أمر واقعي ثابت لا يجوز إنكاره، وأمر بالرقية منها حين يقع أذاها الفعلي على أحد الناس. ومن أعظم ما ورد في هذا الباب دعاء أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، وكذلك قراءة سورة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين على المصاب، مع النفث الخفيف المصحوب بشيء يسير من الريق. ومن الوسائل المشروعة أيضا أن يغتسل من أصابته العين، وأن يستخدم المصاب بقايا ماء اغتساله، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه حين أصابته عين رجل من الصحابة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم من أصابه بأثر عينه أن يتوضأ له، وذكر أن العائن ينبغي أن يبارك على من أعجبه من الناس أو الأشياء بقول اللهم بارك فيه أو ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا يعلمنا أن الوقاية من إصابة الآخرين بالعين تبدأ من الشخص نفسه حين يرى ما يعجبه، بأن يذكر الله ويدعو بالبركة، لا أن يكتفي بالإعجاب المجرد الذي قد يحمل في طياته أثرا سلبيا دون قصد منه.
الرقية من المس والسحر
تحتاج حالات المس من الجن أو السحر إلى رقية مكثفة ومتكررة أحيانا، إذ قد لا تكفي مرة واحدة من القراءة لإزالة هذا الأذى الروحي، ومن أعظم ما يقرأ في هذا الباب آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان لا يقرب البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، وأن قراءة آيتين من آخرها كافيتان لحماية المسلم من كل شر ليلا. كما تقرأ آيات السحر المتفرقة في سور الأعراف ويونس وطه التي تتحدث عن قصة موسى مع سحرة فرعون، فهي مما جرب أهل العلم قراءته على المسحور فوجدوا له أثرا طيبا بإذن الله. ويستحب أيضا قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين مرات عديدة، مع الإكثار من الدعاء والاستعاذة بالله من شر ما يجده المصاب، والحرص على أن يكون الراقي صادق النية، حسن الصلة بالله، بعيدا عن أي ممارسات مشبوهة قد تختلط بالرقية الشرعية الصحيحة، فقد انتشر للأسف في هذا الزمان من يدعي الرقية بينما هو في حقيقته يمارس أعمال الشعوذة والدجل، فينبغي على المسلم أن يتحرى الراقي الثقة الملتزم بالضوابط الشرعية الصحيحة قبل أن يستعين به في هذا الأمر الحساس.
التحذير من الدجل المتستر بالرقية
مع انتشار الوعي بمشروعية الرقية الشرعية، ظهر للأسف كثير من الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون هذا الباب المشروع لممارسة أعمال محرمة كالسحر أو الاستعانة بالجن أو الادعاء بمعرفة الغيب، متسترين وراء اسم الرقية الشرعية لخداع الناس البسطاء الذين يبحثون عن حل لمشاكلهم الصحية أو النفسية. وقد حذر العلماء من علامات كثيرة تدل على أن من يمارس هذا العمل ليس راقيا شرعيا حقيقيا، منها طلب اسم المريض واسم أمه تحديدا، أو طلب شيء من ملابسه أو ممتلكاته الشخصية، أو الطلب بالذبح لغير الله، أو الإتيان بطلاسم وكتابات غير مفهومة، أو الادعاء بمعرفة سبب المرض دون سؤال مباشر عن الأعراض، فكل هذه علامات خطيرة تدل على ممارسة سحرية محرمة لا علاقة لها بالرقية الشرعية الصحيحة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه. لذلك ينبغي على كل مسلم أن يتحرى بدقة عمن يقصده لطلب الرقية، وأن يفضل رقية نفسه بنفسه إن استطاع ذلك، أو الاستعانة بأهل العلم والصلاح المعروفين بالتزامهم الشرعي الصحيح، بعيدا عن كل من يثير الشك حول ممارساته أو طريقته في التعامل مع طالبي الرقية.
خاتمة: حصن روحي مشروع لكل مسلم
تبقى الرقية الشرعية من الوسائل المشروعة العظيمة التي منحها الإسلام للمسلم ليتحصن بها من الأذى الروحي والجسدي على حد سواء، فهي ليست بدعة أو خرافة كما قد يظن البعض، بل هي سنة نبوية ثابتة مارسها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وأقرها لأصحابه ضمن ضوابط شرعية دقيقة تضمن سلامة العقيدة من كل شائبة شركية. وينبغي على كل مسلم أن يتعلم هذه الرقى المأثورة ويحفظها، ليستخدمها في رقية نفسه وأهله عند الحاجة، دون الاضطرار للجوء إلى أشخاص قد لا يكونون مؤتمنين على هذا الأمر الحساس. فلنحرص جميعا على تحصين أنفسنا وأهلنا بهذه الأذكار والأدعية المباركة، مع اليقين التام بأن الشفاء الحقيقي بيد الله وحده، وأن الرقية مجرد سبب من الأسباب التي أباحها الشرع، لا قوة ذاتية مستقلة تعمل بمعزل عن مشيئة الله وقدرته المطلقة على كل شيء.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق