أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
مقالات اسلامية

الحسد.. الداء الخفي الذي حذر منه الإسلام وطرق الوقاية منه

يعد الحسد من أخطر أمراض القلوب التي حذر منها الإسلام تحذيرا شديدا، حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من شر الحاسد في السور الأخيرة من القرآن الكريم، فما حقيقة هذا الداء الخفي؟ وكيف يفتك بصاحبه قبل أن يصل أثره إلى المحسود؟ وما السبل العملية للوقاية من

محمود ثابتمحمود ثابتالكاتب 7 د للقراءة 5.01 المراجعات
الحسد.. الداء الخفي الذي حذر منه الإسلام وطرق الوقاية منه

الحسد.. الداء الخفي الذي حذر منه الإسلام وطرق الوقاية منه

image about الحسد.. الداء الخفي الذي حذر منه الإسلام وطرق الوقاية منه
نبذة مختصرة:

 يعد الحسد من أخطر أمراض القلوب التي حذر منها الإسلام تحذيرا شديدا، حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من شر الحاسد في السور الأخيرة من القرآن الكريم، فما حقيقة هذا الداء الخفي؟ وكيف يفتك بصاحبه قبل أن يصل أثره إلى المحسود؟ وما السبل العملية للوقاية منه أو علاجه إن وجد المسلم بعض آثاره في قلبه؟


تعريف الحسد وخطورته على صاحبه أولا
يعرف الحسد بأنه تمني زوال النعمة عن الغير، سواء صحب هذا التمني رغبة في انتقالها إلى الحاسد نفسه أو مجرد رغبة في زوالها دون أي فائدة شخصية له، وهذا التعريف يبين أن الحسد في جوهره موقف سلبي من نعم الله على عباده، وكأن الحاسد يعترض ضمنيا على توزيع الله لأرزاقه ونعمه بين خلقه وفق حكمته البالغة. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، فقال إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وهذا التشبيه البليغ يوضح أن الحسد لا يضر المحسود بالضرورة أولا، بل يفتك بصاحبه نفسه، محرقا حسناته وأعماله الصالحة دون أن يشعر بهذا الخسران الفادح الذي يلحق به جراء هذا المرض القلبي الخطير. كما أن الحاسد يعيش في عذاب نفسي مستمر، إذ لا يهدأ باله ما دامت نعم الله متجددة على الناس من حوله، فهو في حالة قلق دائم وتوتر مستمر يستنزف طاقته النفسية والعاطفية دون أن يجني من وراء هذا الحسد أي فائدة حقيقية تعود عليه، بل يزداد شقاء وتعاسة كلما رأى نعمة جديدة يحسد صاحبها عليها.


الفرق بين الحسد والغبطة
يخلط كثير من الناس بين الحسد المذموم والغبطة المحمودة، رغم الفرق الجوهري بينهما، فالحسد يتضمن تمني زوال النعمة عن الغير، بينما الغبطة تعني تمني مثل هذه النعمة لنفسك دون أي رغبة في زوالها عن صاحبها الأصلي. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع الثاني من الحسد المحمود حين قال لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، وهذا الحديث يستخدم كلمة الحسد بمعناها اللغوي الواسع الذي يشمل الغبطة، لا بمعناها الاصطلاحي المذموم، إذ إن المقصود هو تمني أن يكون للمسلم مثل هذا الخير الذي يراه في غيره، من إنفاق المال في الطاعات أو نشر العلم النافع، دون أي رغبة في زوال هذا الخير عن صاحبه الأصلي. وهذا التمييز مهم جدا لفهم حدود المشروع من غير المشروع في هذا الباب، فليس كل تمني للخير الذي يراه المرء عند غيره محرما، بل المحرم تحديدا هو الرغبة في زوال هذه النعمة عن صاحبها، سواء انتقلت إلى الحاسد أم لم تنتقل، وهذا هو جوهر التفريق الدقيق بين هذين المفهومين المتشابهين ظاهريا لكنهما مختلفان جوهريا في حقيقتهما وأثرهما.


الحماية النبوية من شر الحاسدين
أدرك الإسلام خطورة الحسد ليس فقط على الحاسد نفسه، بل أيضا كأذى محتمل قد يصيب المحسود، ولهذا شرع وسائل للحماية من هذا الشر المحتمل، فقد أنزل الله سورة الفلق كاملة تقريبا للاستعاذة من شر الحاسد، إذ قال ومن شر حاسد إذا حسد، وهذا يبين أن أثر الحسد ليس مجرد وهم نفسي بلا حقيقة، بل شر واقعي يستحق الاستعاذة منه صراحة في كتاب الله. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما بدعاء خاص، إذ يقول أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، وهذا يشمل الحماية من شر العين الحاسدة تحديدا، وأخبر أن هذا الدعاء كان يعوذ به إبراهيم عليه السلام ابنيه إسماعيل وإسحاق، مما يدل على أن هذه الحماية سنة قديمة عرفها الأنبياء من قبل، وليست بدعة مستحدثة في الإسلام. ومن الوسائل العملية المهمة أيضا إخفاء النعم عن أعين الناس قدر الإمكان دون تفاخر أو استعراض مبالغ فيه قد يثير حسد الآخرين دون داع حقيقي، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لكن هذا لا يتعارض مع الحكمة في عدم استفزاز الآخرين بمبالغة في إظهار هذه النعم أمامهم دون سبب مقنع لهذا الاستعراض.


علاج الحسد إن وجد في القلب
إن وجد المسلم في نفسه بذورا لهذا المرض القلبي الخطير، ينبغي أن يسارع بعلاجه قبل أن يتمكن منه ويفسد عليه دينه وسعادته النفسية معا، ومن أهم وسائل العلاج مجاهدة النفس بفعل عكس ما يمليه عليها الحسد، فإن وجد المسلم في نفسه حسدا لأحد الناس، فليدع له بالخير والبركة في نعمته، وليحسن إليه بالقول والفعل قدر استطاعته، فهذه المجاهدة العملية تكسر حدة هذا الشعور السلبي تدريجيا وتستبدله بمشاعر أكثر إيجابية تجاه الشخص المحسود. ومن الوسائل المهمة أيضا استحضار حكمة الله في توزيع الأرزاق والنعم بين خلقه، فقد قال الله نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، وهذا الاستحضار يذكر المسلم بأن توزيع النعم أمر إلهي محكم لا مجال للاعتراض عليه أو التذمر منه، وأن لكل إنسان نصيبه المقدر له من الرزق والنعم بحكمة يعلمها الله وحده، حتى لو خفيت هذه الحكمة على الإنسان في بعض الأحيان. كما يفيد التفكر في نعم الله الخاصة على الحاسد نفسه، فكل إنسان يملك نعما كثيرة قد لا يلتفت إليها بسبب انشغاله بمقارنة نفسه بنعم الآخرين، وهذا التفكر يساعد على الشعور بالرضا والقناعة بدلا من التركيز المستمر على ما يملكه الآخرون من نعم قد تبدو أكبر أو أفضل في نظره الشخصي المحدود.


أثر الحسد على المجتمع المسلم
لا يقتصر ضرر الحسد على الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل تماسك المجتمع المسلم بأكمله، إذ ينشر هذا المرض القلبي أجواء من الشك والعداوة بين الناس، ويضعف روح التعاون والتكافل التي ينبغي أن تسود المجتمع المسلم المتماسك. فحين ينتشر الحسد بين أفراد مجتمع معين، يصبح كل فرد حريصا على إخفاء نعمه خشية عين الآخرين، مما يقلل من روح المشاركة والتكافل الاجتماعي التي تقوم أساسا على معرفة احتياجات الآخرين ومساعدتهم فيها. كما أن الحسد قد يتحول أحيانا من مجرد شعور داخلي إلى أفعال ضارة فعلية، كالسعي لإفساد نعمة المحسود بطرق مباشرة أو غير مباشرة، أو نشر إشاعات كاذبة عنه، أو حتى اللجوء إلى وسائل محرمة كالسحر بحثا عن إلحاق الضرر به، وهذا يبين خطورة السماح لهذا المرض القلبي بالنمو دون علاج مبكر، إذ قد يتطور من مجرد شعور داخلي سلبي إلى سلوكيات فعلية مدمرة تضر بالفرد والمجتمع معا، وتزرع الفرقة والعداوة بدلا من المحبة والتعاون الذي ينبغي أن يسود بين أفراد الأمة الإسلامية الواحدة في تعاملاتهم اليومية المختلفة.


خاتمة: القناعة والرضا طريق السلامة من الحسد
يبقى الحسد من أخطر أمراض القلوب التي ينبغي لكل مسلم أن يحذر منها ويسعى لتطهير قلبه من أي أثر لها، فهو داء خفي يفتك بصاحبه قبل أن يصل أثره إلى المحسود، ويحرق حسناته دون أن يشعر بهذا الخسران الفادح في كثير من الأحيان. وينبغي على كل مسلم أن يحرص على القناعة والرضا بما قسمه الله له، مستحضرا حكمته البالغة في توزيع النعم والأرزاق بين عباده، وأن يستبدل مشاعر الحسد السلبية بالدعاء الصادق للآخرين بالبركة والزيادة في نعمهم. فلنحرص جميعا على تطهير قلوبنا من هذا الداء الخطير، ولنتذكر دائما أن السعادة الحقيقية لا تكمن في مقارنة أنفسنا المستمرة بالآخرين، بل في الرضا بما آتانا الله والشكر عليه، فهذا هو الطريق الحقيقي للسلامة من الحسد وآثاره المدمرة على القلب والمجتمع المسلم بأسره في آن واحد.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق