الإسراء والمعراج.. رحلة عجيبة في ليلة واحدة عبر الأرض والسماء

الإسراء والمعراج.. رحلة عجيبة في ليلة واحدة عبر الأرض والسماء

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الإسراء والمعراج.. رحلة عجيبة في ليلة واحدة عبر الأرض والسماء

image about الإسراء والمعراج.. رحلة عجيبة في ليلة واحدة عبر الأرض والسماء
نبذة مختصرة: 

تعد رحلة الإسراء والمعراج من أعجب المعجزات التي أكرم الله بها نبيه، إذ نقله في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماوات العليا ليلتقي بالأنبياء ويشهد آيات ربه الكبرى، وفرضت في هذه الرحلة العظيمة الصلوات الخمس، في حدث خلد ذكراه القرآن الكريم.


توقيت الرحلة وسياقها في السيرة النبوية
جاءت رحلة الإسراء والمعراج في وقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر فيه بظروف بالغة الصعوبة، إذ وقعت بعد عام الحزن الذي فقد فيه زوجته خديجة رضي الله عنها وعمه أبا طالب الذي كان يحميه من بطش قريش، كما جاءت بعد رحلته الشاقة إلى الطائف التي واجه فيها استهزاء وأذى شديدين من أهلها الذين رفضوا دعوته ورموه بالحجارة حتى أدمت قدماه الشريفتان. وفي خضم هذه الظروف النفسية الصعبة، أراد الله أن يكرم نبيه بهذه الرحلة العجيبة التي تحمل تسلية إلهية عظيمة له، وتأكيدا على أن الله لم يتخل عنه رغم كل هذا الأذى الذي تعرض له من قومه، بل اختاره لشرف عظيم لم يحظ به نبي من قبله بهذه الصورة الكاملة، وهذا التوقيت الدقيق لهذه المعجزة يبين حكمة إلهية في تخفيف الأحزان عن النبي صلى الله عليه وسلم في أصعب مراحل دعوته، وإعداده نفسيا وروحيا لمرحلة جديدة من الدعوة ستشهد لاحقا الهجرة إلى المدينة وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى.


رحلة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس
بدأت هذه الرحلة العجيبة حين جاء جبريل عليه السلام بدابة عجيبة تسمى البراق، وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل، يضع خطوها عند أقصى طرفها، أي أن سرعتها كانت خارقة للعادة تفوق كل ما هو معهود من وسائل التنقل في ذلك الزمان. ركب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الدابة العجيبة، وأسري به من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، وهي مسافة تستغرق في الأحوال الطبيعية أسابيع من السفر بالقوافل التقليدية، لكنها قطعت في هذه الرحلة المعجزة في جزء يسير من الليل الواحد. وحين وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، ربط دابته وصلى فيه إماما بجميع الأنبياء الذين اجتمعوا هناك، في مشهد رمزي عظيم يبين أن هذا النبي الخاتم هو إمام جميع الرسالات السماوية السابقة، وأن دعوته تمثل امتدادا وختاما لسلسلة النبوات المتعاقبة عبر التاريخ البشري بأكمله منذ آدم عليه السلام وحتى ذلك اليوم.


المعراج إلى السماوات العليا
بعد الإسراء إلى بيت المقدس، بدأت رحلة المعراج، حيث عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الدنيا عبر معراج، وهو وسيلة صعود وصفت بأنها كالسلم، ومر النبي صلى الله عليه وسلم بالسماوات السبع تباعا، يلتقي في كل سماء بنبي من الأنبياء الكرام، فالتقى في السماء الدنيا بآدم عليه السلام، وفي السماء الثانية بعيسى ويحيى عليهما السلام، وفي الثالثة بيوسف عليه السلام، وفي الرابعة بإدريس عليه السلام، وفي الخامسة بهارون عليه السلام، وفي السادسة بموسى عليه السلام الذي بكى حين مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فسئل عن سبب بكائه فأجاب لأن غلاما بعث بعده يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمته، وفي السماء السابعة التقى بإبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور. وفي هذه الرحلة العجيبة، رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، وهي شجرة عظيمة تمثل الحد الأقصى الذي وصل إليه علم الملائكة والمخلوقات، وشهد مشاهد عظيمة من ملكوت الله الواسع التي لا يمكن للعقل البشري أن يستوعبها كاملة أو يتخيل تفاصيلها الدقيقة.


فرض الصلوات الخمس
من أعظم ما جرى في هذه الرحلة المباركة فرض الصلوات الخمس على المسلمين، إذ فرضها الله في البداية خمسين صلاة في اليوم والليلة، فمر النبي صلى الله عليه وسلم في طريق عودته بموسى عليه السلام الذي نصحه بالرجوع إلى ربه وطلب التخفيف، مؤكدا أن أمته لن تستطيع تحمل هذا العدد الكبير من الصلوات، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه وطلب التخفيف، فخفف الله عشرا، واستمر في هذا التردد بين موسى عليه السلام وربه سبحانه وتعالى عدة مرات متتالية، حتى استقرت الصلوات المفروضة عند خمس صلوات فقط في اليوم والليلة، لكن الله تفضل بأن جعل أجرها كأجر خمسين صلاة، رحمة منه بعباده وتخفيفا عليهم مع الاحتفاظ بالأجر الكامل الذي كان مقدرا في الأصل. وهذا التفصيل المؤثر في القصة يبين مدى رحمة الله بعباده، وحرص موسى عليه السلام على مصلحة هذه الأمة رغم أنه لم يكن نبيا لها، وأهمية هذه الفريضة العظيمة التي أصبحت عمود الدين وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، مما يبرز مكانتها الخاصة بين سائر العبادات الأخرى التي لم تفرض بهذه الطريقة الاستثنائية المباشرة في رحلة سماوية بهذا الشكل الفريد وغير المسبوق.


تكذيب قريش وتصديق أبي بكر
حين عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وأخبر قومه بما حدث معه في تلك الليلة العجيبة، قابله كثير من المشركين بالسخرية والتكذيب الشديد، مستغربين كيف يمكن لإنسان أن يقطع هذه المسافة الهائلة ويعود في ليلة واحدة فقط، واعتبروا هذا الخبر دليلا إضافيا على ما كانوا يتهمونه به من جنون أو سحر. حتى إن بعضهم ارتد عن الإسلام حين سمع بهذا الخبر، ظانا أنه أمر يفوق حدود المعقول والتصديق. لكن في المقابل، حين ذهب المشركون إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه يظنون أنهم سيجدون منه تكذيبا مماثلا، فوجئوا بإجابته الحاسمة بأنه إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك فهو صادق، وأنه يصدقه في أبعد من ذلك، بخبر السماء صباحا ومساء، وهذا الموقف العظيم هو الذي استحق به أبو بكر لقب الصديق الذي أصبح ملازما لاسمه عبر التاريخ، وقد طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم وصف بيت المقدس بدقة للتأكد من صدق خبره، فوصفه لهم النبي صلى الله عليه وسلم وصفا دقيقا رغم أنه لم يكن قد زاره من قبل بشكل واعٍ متمعن في تفاصيله المعمارية، مما أثبت صدق هذه الرحلة العجيبة أمام من شكك فيها من أهل مكة في ذلك الوقت.


خاتمة: معجزة تحمل تسلية إلهية ودروسا خالدة
تبقى رحلة الإسراء والمعراج من أعظم المعجزات التي أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فهي لم تكن مجرد حدث خارق للعادة يثبت صدق نبوته فحسب، بل حملت في طياتها تسلية إلهية عميقة له في أصعب مراحل دعوته، وربطا مباشرا بينه وبين سلسلة الأنبياء السابقين الذين التقاهم في هذه الرحلة المباركة. وقد تركت هذه الرحلة العظيمة أثرا خالدا في التشريع الإسلامي بفرض الصلوات الخمس، عمود الدين وركيزته الأساسية التي يقوم عليها إسلام كل مسلم ومسلمة. وتبقى هذه القصة العظيمة درسا في أهمية التصديق واليقين بما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مهما بدا خارقا للعادة أو صعب التصديق على العقول المعتادة، وشاهدة على أن الله لا يترك أولياءه في أوقات محنتهم، بل يفتح لهم أبوابا من الفرج والتكريم قد لا تخطر على بال، كما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة الاستثنائية التي غيرت مسار السيرة النبوية بأكملها نحو مرحلة جديدة أكثر تمكينا واستقرارا.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

752

متابعهم

848

متابعهم

3798

مقالات مشابة
-