وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.. يوم فقدت فيه الأمة نورها
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.. يوم فقدت فيه الأمة نورها

نبذة مختصرة:
يعد يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الأيام حزنا في تاريخ الإسلام، فقد ودعت الأمة فيه معلمها ومربيها وقائدها الذي أخرجها من الظلمات إلى النور، وقد حملت أيامه الأخيرة دروسا عظيمة في الرحمة والحرص على الأمة حتى اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة.
بداية المرض وعلاماته الأولى
بدأت أعراض المرض الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالظهور تدريجيا في أواخر حياته الشريفة، فقد أصيب بحمى شديدة وصداع مؤلم، واشتكى من هذا الألم لأصحابه قائلا إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، مبينا شدة الألم الذي كان يعانيه رغم مكانته الرفيعة عند الله، وهذا يعلمنا أن الأنبياء بشر يمرضون ويتألمون كسائر البشر، وأن المرض ليس دليلا على نقص المكانة عند الله، بل قد يكون رفعة في الدرجات وتكفيرا للخطايا. ومع اشتداد المرض، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن زوجاته في أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذن له نساؤه جميعا بذلك، مدركات حاجته الشديدة لهذه الرعاية الخاصة في أيامه الأخيرة، فانتقل إلى بيتها حيث قضى بقية أيامه محاطا برعاية وحب زوجته المحببة إليه، وقد أخذ يشتد عليه المرض تدريجيا حتى أصبح يغمى عليه أحيانا من شدة الألم، ثم يفيق ويسأل عن الناس وعن أحوال المسلمين، حريصا حتى في مرضه الشديد على متابعة شؤون أمته التي أفنى حياته كلها في خدمتها ونشر الهدى بين أفرادها.
حرصه على الصلاة رغم شدة المرض
رغم اشتداد المرض على النبي صلى الله عليه وسلم، ظل حريصا أشد الحرص على أداء الصلاة في المسجد مع جماعة المسلمين، حتى إنه كان يخرج إليها معتمدا على رجلين من أصحابه، تخط قدماه الشريفتان الأرض من شدة الضعف الذي أصابه، وهذا يبين مدى تعلقه العظيم بالصلاة وأهميتها القصوى في حياته، حتى في أحرج لحظات مرضه وأشدها إيلاما. وحين اشتد به الوهن أكثر وعجز عن الخروج بنفسه للصلاة، أمر أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يصلي بالناس إماما بدلا منه، وهذا القرار حمل دلالة عظيمة فهمها الصحابة رضوان الله عليهم لاحقا، إذ اعتبروه إشارة ضمنية من النبي صلى الله عليه وسلم بأن أبا بكر هو الأحق بخلافته من بعده، فقد رضيه لأمر دينهم في الصلاة، فكيف لا يرضونه لأمر دنياهم في الخلافة والقيادة، وهذا ما استند إليه الصحابة فعلا حين بايعوا أبا بكر خليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة دون خلاف يذكر بينهم.
اللحظات الأخيرة ووصايا النبي
في اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمته بوصايا عظيمة تحمل في طياتها جوهر الرسالة التي حملها طوال حياته المباركة، فكان من آخر كلماته الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، مؤكدا على أهمية الصلاة كعمود للدين، وعلى حسن معاملة العبيد والخدم الذين كانوا تحت رعاية المسلمين. كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الغلو في القبور، فقال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، محذرا صحابته من أن يقعوا في نفس الخطأ الذي وقع فيه أهل الكتاب من قبلهم في تعظيم قبور أنبيائهم حتى وصل بهم الأمر إلى عبادتها من دون الله. وفي آخر لحظاته، دخلت عليه ابنته فاطمة رضي الله عنها، فأسر إليها سرا فبكت، ثم أسر إليها سرا آخر فضحكت، وقد بينت فاطمة رضي الله عنها لاحقا أنه أخبرها في المرة الأولى بأنه سيتوفى في مرضه هذا فبكت، ثم أخبرها في المرة الثانية أنها أول أهل بيته لحوقا به فضحكت فرحا بهذا اللقاء القريب المرتقب مع أبيها الحبيب صلى الله عليه وسلم.
اللحظة الأخيرة ولحاقه بالرفيق الأعلى
حين اشتدت سكرات الموت على النبي صلى الله عليه وسلم، كانت عائشة رضي الله عنها تسنده إلى صدرها، وكان بين يديه إناء فيه ماء، فجعل يدخل يده فيه ويمسح بها وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات، مبينا أن الموت وإن كان مآله إلى رحمة الله ورضوانه، إلا أنه يحمل ألما حقيقيا حتى على أعظم الخلق وأكرمهم عند الله، ثم رفع إصبعه وشخص بصره نحو السقف وهو يقول بل الرفيق الأعلى في الجنة، مكررا هذه الكلمة حتى قبضت روحه الطاهرة وسقطت يده، فتوفي صلى الله عليه وسلم في حضن عائشة رضي الله عنها في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، تاركا الأمة كلها في حزن عميق لا يوصف على فراق معلمها ومربيها الذي غير مسار التاريخ البشري بأسره برسالته الخالدة. وقد وصفت عائشة رضي الله عنها هذه اللحظة الأخيرة بدقة متناهية، حريصة على نقل كل تفاصيلها للأجيال القادمة، إدراكا منها لأهمية توثيق هذه اللحظة التاريخية الفارقة في حياة الأمة الإسلامية بأكملها.
صدمة الصحابة وموقف عمر وأبي بكر
حين انتشر خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحابة، أصيبوا بصدمة هائلة فاقت كل تصور، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، المعروف بشدته وقوته، وقف يخطب في الناس منكرا موته، مهددا بقتل من يقول إنه مات، معتقدا أنه سيرجع كما رجع موسى عليه السلام إلى قومه بعد أن غاب عنهم أربعين ليلة، وهذا يبين مدى عمق الصدمة النفسية التي أصابت حتى أشد الصحابة قوة وثباتا في مواجهة الشدائد. لكن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، الذي كان خارج المدينة في تلك اللحظة، أسرع بمجرد سماعه الخبر إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن وجهه الشريف وقبله باكيا قائلا بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا، ثم خرج إلى الناس وخطب فيهم خطبة بليغة قال فيها من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، فسمع الناس هذه الآية كأنهم لم يسمعوها من قبل قط، فسكن روع الجميع بما فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أدرك حينها حقيقة ما حدث وأعاد ترتيب أفكاره بناء على هذا التذكير القرآني البليغ الذي أنقذ الموقف من فوضى قد تعم الأمة كلها.
خاتمة: أثر خالد رغم فراق الجسد
يبقى يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يوما عظيما في تاريخ الإسلام، لم يكن نهاية للرسالة التي حملها، بل بداية لمرحلة جديدة تولت فيها الأمة مسؤولية حمل هذه الأمانة العظيمة ونشرها بين الناس، مستهدية بسنته الشريفة التي تركها ميراثا خالدا للأجيال المتعاقبة. وتحمل هذه اللحظة التاريخية دروسا عميقة، منها أن الأنبياء بشر يمرضون ويموتون، لكن رسالاتهم تبقى خالدة حية بين الناس، وأن الحزن على فراق الأحبة أمر طبيعي لا ينافي الإيمان، كما ظهر في حزن الصحابة العميق على فراق نبيهم الكريم. ومنها أيضا أهمية العودة إلى كتاب الله عند اضطراب الأمور واشتداد الأزمات، كما فعل أبو بكر الصديق حين استشهد بآية قرآنية أعادت التوازن لعقول المسلمين المصدومة. وتبقى ذكرى هذا اليوم العظيم حاضرة في قلب كل مسلم، يستحضر فيها عظمة هذا النبي الكريم الذي أفنى حياته كلها في سبيل هداية البشرية، تاركا لها نورا ساطعا لا ينطفئ إلى يوم القيامة.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق