أذكار النوم.. حراسة ربانية طوال ساعات الليل
أذكار النوم.. حراسة ربانية طوال ساعات الليل

نبذة مختصرة:
تعد أذكار النوم من أعظم الأوراد التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ليختموا بها يومهم ويستعدوا بها للنوم في حفظ الله ورعايته، فهي تحصن المسلم من شرور الليل ووساوس الشيطان، وتجعل نومه عبادة يؤجر عليها إذا أحسن النية والاستعداد لها.
مشروعية أذكار النوم وأهميتها
تستمد أذكار النوم مشروعيتها من مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها كل ليلة قبل أن يأوي إلى فراشه، فقد كان لا ينام حتى يؤدي هذا الورد العظيم من الأذكار والأدعية، معلما أصحابه إياها ليقتدوا به في هذه السنة المباركة. والحكمة العميقة من هذه الأذكار أن النوم يشبه الموت الأصغر، إذ يفقد فيه الإنسان وعيه وسيطرته على نفسه، فلا يدري ما قد يعرض له من مخاطر أو ما إذا كانت هذه الليلة هي آخر لياليه في هذه الحياة الدنيا، ولذلك شرع الإسلام هذه الأذكار لتكون بمثابة تحصين روحي يحمي المسلم في هذه اللحظة الحرجة من ضعفه وغفلته التامة. كما أن هذه الأذكار تجعل النوم نفسه عبادة يؤجر عليها المسلم، فبدلا من أن يكون مجرد استراحة جسدية خالية من أي قيمة روحية، يتحول إلى عبادة متكاملة تبدأ بذكر الله وتنتهي بحمده عند الاستيقاظ، مما يجعل حياة المسلم كلها، حتى في أوقات نومه وراحته، مرتبطة بذكر الله والتقرب منه سبحانه وتعالى.
أبرز أذكار النوم المأثورة
تتضمن أذكار النوم مجموعة غنية من الأدعية المأثورة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ومن أبرزها قول باسمك اللهم أموت وأحيا، وهذا الدعاء يستحضر في قلب المسلم حقيقة أن الموت والحياة بيد الله وحده، وأن نومه هذا قد يكون آخر لحظة في حياته، فيسلم أمره كله لله في هذه اللحظة الحرجة. ومن الأذكار المهمة أيضا آية الكرسي، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من قرأها عند نومه لن يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وهذا وعد نبوي عظيم يمنح المسلم أمانا كبيرا طوال ليله. كما يستحب قراءة آخر آيتين من سورة البقرة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهما تكفيان من قرأهما في ليلته، أي تكفيانه من كل شر قد يصيبه. ومن الأذكار المهمة أيضا قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات، مع النفث في الكفين ومسح الجسد بهما بقدر ما تصل إليه اليد، وهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة قبل نومه، حتى إنه كان يبدأ بالرأس والوجه وأعلى الجسد ثم يمسح بهما ما أقبل من جسده، محاولا تعميم البركة على كل بدنه الشريف.
تسبيح فاطمة وفضله العظيم
من أهم الأذكار التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأهله وخاصته ما يعرف بتسبيح فاطمة رضي الله عنها، وقصته أن فاطمة رضي الله عنها اشتكت لأبيها صلى الله عليه وسلم من مشقة الطحن والعمل المنزلي، وطلبت منه خادما يعينها، فعلمها بدلا من ذلك ذكرا أخبرها أنه خير لها من خادم، وهو أن تسبح الله ثلاثا وثلاثين، وتحمده ثلاثا وثلاثين، وتكبره أربعا وثلاثين عند نومها، وأخبرها أن هذا خير لها من خادم يخدمها، وهذا يبين أن الذكر قد يكون أعظم أثرا من الوسائل المادية في إعانة المسلم على تحمل مشاق الحياة اليومية وأعبائها المتعددة. وقد واظبت عائشة رضي الله عنها ومن بعدها كثير من الصحابة على هذا الورد العظيم، حتى أخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ما تركه منذ أن علمه إياه النبي صلى الله عليه وسلم، مما يبين مدى تأثيره الإيجابي العميق في حياتهم اليومية، سواء من ناحية الأجر الأخروي أو من ناحية الإعانة العملية على تحمل مشاق الحياة وأعبائها المتراكمة، فهذا الذكر يمنح المسلم قوة روحية ونفسية تعينه على مواجهة تحديات يومه القادم بنشاط وحيوية متجددة.
آداب النوم المستحبة المصاحبة للأذكار
ينبغي للمسلم أن يراعي عددا من الآداب المستحبة المصاحبة لأذكار النوم لتكتمل فائدتها وأثرها الروحي، فمن أهم هذه الآداب النوم على طهارة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من بات طاهرا بات معه ملك في شعاره، أي في فراشه، فلا يستيقظ إلا قال الملك دعاء له بالمغفرة إن ذكر الله في نومه، وهذا يبين أهمية الوضوء قبل النوم كسبب للحصول على هذا الفضل العظيم. ومن الآداب المهمة أيضا النوم على الشق الأيمن، فقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن عند نومه، وهذا له فوائد صحية معروفة أيضا تتعلق براحة القلب والأعضاء الداخلية أثناء النوم. ومن الآداب أيضا نفض الفراش قبل الاضطجاع فيه، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك خشية أن يكون قد دب فيه شيء مؤذ في غياب صاحبه عنه، وهذا يجمع بين الحرص الروحي والاحتياط المادي في آن واحد. كما يستحب إغلاق الأبواب وإطفاء المصابيح والنيران قبل النوم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك للوقاية من مخاطر الحرائق التي قد تنشب أثناء غفلة النائمين، وهذا يبين شمولية التوجيه النبوي الذي يجمع بين الجانب الروحي في الذكر والدعاء، والجانب العملي في الاحتياط والحذر من الأخطار المادية المحتملة.
دعاء الاستيقاظ من النوم
كما شرع الإسلام أذكارا للنوم، شرع أيضا أذكارا يقولها المسلم عند استيقاظه من نومه، ليكون يومه بأكمله محاطا بذكر الله من بدايته إلى نهايته، فمن أهم هذه الأذكار قول الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، وهذا الدعاء يستحضر في قلب المسلم أن النوم كان بمثابة موتة صغرى، وأن الاستيقاظ منه نعمة عظيمة تستحق الشكر والحمد لله الذي أعاد إليه الحياة والوعي من جديد. وهذا الذكر يذكر المسلم يوميا بحقيقة الموت والبعث، فكل صباح يستيقظ فيه يجدد إيمانه بهذه الحقيقة الكبرى التي قد يغفل عنها الإنسان في زحمة انشغالاته اليومية. ومن المستحب أيضا أن يبدأ المسلم يومه بذكر الله فور استيقاظه، قبل أن ينشغل بأي أمر آخر من أمور دنياه، ليكون أول ما يلفظ به لسانه هو ذكر خالقه ومنعم عليه بنعمة الحياة والصحة والعافية، وهذا يضع للمسلم إطارا روحيا متكاملا ليومه بأكمله، يبدأ بذكر الله وينتهي بذكره أيضا، فتكون حياته كلها محاطة بهذه الدائرة المباركة من العبودية الدائمة لله سبحانه وتعالى في كل حال من أحواله.
خاتمة: نوم في حفظ الرحمن
تبقى أذكار النوم من أعظم الكنوز الإيمانية التي منحها الإسلام للمسلم ليختم بها يومه ويستعد بها لنومه في حفظ الله ورعايته، فهي ليست مجرد كلمات تقال دون وعي قبل النوم، بل هي منظومة متكاملة تحصن المسلم من شرور الليل ووساوسه، وتجعل نومه نفسه عبادة يؤجر عليها بإذن الله. وينبغي على كل مسلم أن يحرص على تعلم هذه الأذكار وحفظها والمداومة عليها كل ليلة، اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يفرط في هذا الورد العظيم مهما كانت ظروفه. فلنجعل من ليالينا فرصة للتقرب من الله بهذه الأذكار المباركة، ولنستشعر عظمة أن ننام كل ليلة في حفظ الرحمن ورعايته، مستيقنين أنه سبحانه هو الحافظ الحقيقي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، بينما نحن نغفل ونستريح تحت رعايته وحفظه الدائم الذي لا ينقطع أبدا عن عباده المؤمنين الصادقين.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق