الحياء في الإسلام.. خلق نبوي يحمي القلب والسلوك

الحياء في الإسلام.. خلق نبوي يحمي القلب والسلوك

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

الحياء في الإسلام.. خلق نبوي يحمي القلب والسلوك

image about الحياء في الإسلام.. خلق نبوي يحمي القلب والسلوك
نبذة مختصرة: 

يعد الحياء من أعظم الأخلاق التي حث عليها الإسلام، حتى جعله النبي صلى الله عليه وسلم شعبة من شعب الإيمان، ووصف نفسه الشريفة بأنه أشد حياء من العذراء في خدرها، فما حقيقة هذا الخلق العظيم؟ وكيف يحمي صاحبه من الوقوع في المعاصي والانحرافات السلوكية المختلفة؟


مفهوم الحياء ومكانته في الإسلام
يعرف الحياء بأنه خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، فهو شعور داخلي يجعل الإنسان يستحي من فعل ما يخالف الفطرة السليمة أو الشرع القويم، سواء كان ذلك أمام الناس أو حتى في خلوته حين يستحضر مراقبة الله له في كل حين. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحياء شعبة من شعب الإيمان، بل جعله خلقا خاصا بدين الإسلام حين قال إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء، وهذا يبين أن الحياء ليس مجرد صفة اجتماعية مستحسنة، بل هو جزء أصيل من منظومة الإيمان الكاملة التي يسعى كل مسلم لتحقيقها في نفسه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه القدوة الأعظم في هذا الخلق الرفيع، فقد وصفته عائشة رضي الله عنها بأنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرف ذلك في وجهه، وهذا يبين أن الحياء لم يكن يمنعه من إنكار المنكر أو بيان الحق، بل كان يظهر أثره على ملامحه الشريفة دون أن يحتاج إلى كلام صريح جارح في كثير من المواقف.


أنواع الحياء ومظاهره
ينقسم الحياء إلى نوعين أساسيين يحتاجهما المسلم في حياته اليومية، أولهما الحياء من الله سبحانه وتعالى، وهو أعلى درجات الحياء وأعمقها أثرا، إذ يستحضر المسلم في كل لحظة من لحظات حياته أن الله يراقبه ويطلع على أدق تفاصيل أفعاله وحتى خواطر قلبه، فيستحي أن يقع في معصية أو تقصير وهو يعلم أن الله يراه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحياء من الله حقا أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن يترك زينة الحياة الدنيا، وأن يتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء. وثانيهما الحياء من الناس، وهو أن يستحي المسلم من ارتكاب ما يخالف الآداب العامة أو الأعراف الحسنة أمام الآخرين، فيتجنب الفحش في القول والفعل، ويحرص على مظهره وسلوكه أمام من حوله، وهذا النوع من الحياء وإن كان أدنى درجة من الحياء من الله، إلا أنه مهم جدا في ضبط سلوك الإنسان الاجتماعي وحفظ كرامته وكرامة من حوله في مختلف المواقف والمناسبات اليومية.


الحياء لا يمنع من الحق والعلم
يخطئ بعض الناس في فهم مفهوم الحياء، فيظنون أنه يعني الخجل الزائد الذي يمنع الإنسان من طلب حقه أو السؤال عما يحتاج إليه من أمور دينه، وهذا فهم مغلوط تماما يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة والصحابيات من بعده، فقد كانت أم سليم رضي الله عنها تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أدق مسائل الطهارة والحيض دون خجل يمنعها من ذلك، حتى قالت عائشة رضي الله عنها نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. وهذا يبين أن الحياء الحقيقي لا يتعارض إطلاقا مع طلب العلم والسؤال عما يحتاجه المسلم لفهم دينه بشكل صحيح، بل إن الخجل الزائد الذي يمنع من ذلك يعد نوعا من الجهل المذموم لا الحياء الممدوح، فالحياء الصحيح يمنع من القبيح والفحش، لا من طلب العلم والاستفسار عن أمور الدين الضرورية. كذلك لا يمنع الحياء الحقيقي من قول كلمة الحق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء ومع ذلك لم يتردد أبدا في بيان الحق وإنكار الباطل حين تطلب الأمر ذلك، فالحياء الصحيح يهذب الأسلوب في إيصال الحق، لا أن يمنع من إيصاله أصلا لمن يحتاج سماعه.


أثر الحياء في حماية المجتمع من الفساد
يلعب الحياء دورا محوريا في حماية المجتمعات من الانحلال الأخلاقي والفساد السلوكي، فحين يفقد المجتمع هذا الخلق العظيم، تنتشر فيه الفواحش والمنكرات دون رادع داخلي يمنع الأفراد من ارتكابها، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحديث عظيم يبين خطورة فقدان هذا الخلق، إذ قال إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وهذا لا يعني الإباحة كما قد يفهم البعض خطأ، بل هو تحذير شديد بأن من فقد الحياء لم يعد لديه مانع داخلي يمنعه من ارتكاب أي فعل قبيح مهما بلغت شناعته، فالحياء يمثل خط الدفاع الأول الذي يحمي الإنسان من الانزلاق في مهاوي الرذيلة قبل أن تتدخل القوانين الخارجية أو العقوبات الرادعة. وقد لاحظ العلماء أن المجتمعات التي تراجع فيها هذا الخلق العظيم، شهدت تفشيا كبيرا في مختلف صنوف الفساد الأخلاقي، بينما المجتمعات التي حافظت على هذا الخلق حافظت أيضا على قدر كبير من الاستقرار الاجتماعي والأخلاقي، مما يؤكد أهمية هذا الخلق ليس فقط على المستوى الفردي، بل على مستوى بناء المجتمعات الصالحة القوية المتماسكة أخلاقيا.


كيفية تنمية خلق الحياء في النفس
يحتاج المسلم إلى وسائل عملية تعينه على تنمية خلق الحياء في نفسه وترسيخه في سلوكه اليومي، ومن أهم هذه الوسائل استحضار مراقبة الله الدائمة في كل حين، فمن أيقن أن الله يراه في كل لحظة، سواء كان في العلن أو في خلوته التامة، سهل عليه أن يستحي من فعل ما يغضب الله. ومن الوسائل المهمة أيضا التفكر في نعم الله الكثيرة على الإنسان، فمن استحضر عظم هذه النعم استحيا أن يقابلها بالمعصية والتقصير في حق من أنعم عليه بكل هذا الخير الوفير. كما يساعد الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة في هذا الخلق العظيم، فمن تأمل حياء النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف مواقفه، وجد فيه قدوة رائعة يمكن الاحتذاء بها في التعامل مع مختلف المواقف الحياتية. ومن الوسائل العملية أيضا مصاحبة أهل الحياء والصلاح، والابتعاد عن البيئات التي تشجع على التبذل وقلة الحياء، فالمرء يتأثر كثيرا بمن يخالطهم، وقد يفقد هذا الخلق تدريجيا إن استمر في مخالطة من لا يبالون بهذه القيمة الأخلاقية العظيمة في سلوكهم اليومي وتعاملاتهم مع الآخرين.


خاتمة: الحياء تاج الأخلاق الإسلامية
يبقى الحياء من أعظم الأخلاق التي ينبغي أن يسعى كل مسلم لترسيخها في نفسه، فهو ليس مجرد خجل سلبي يعيق الإنسان عن تحقيق مصالحه المشروعة، بل هو خلق إيجابي فعال يحمي صاحبه من الانزلاق في المعاصي والفواحش، ويجعله يقظا دائما لمراقبة الله له في كل أحواله. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحياء لا يأتي إلا بخير، وهذا وصف جامع مانع يبين أن هذا الخلق العظيم لا يحمل في طياته إلا الفائدة والصلاح، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي. فلنحرص جميعا على تنمية هذا الخلق الرفيع في أنفسنا وأبنائنا، مستحضرين دائما حياء النبي صلى الله عليه وسلم النادر الذي جمع بين الرقة والحزم في آن واحد، ولنعلم أن الحياء الحقيقي لا يتعارض أبدا مع طلب العلم أو قول الحق، بل يهذب أسلوب المسلم في كل تعاملاته دون أن يمنعه من أداء واجباته الشرعية والاجتماعية المختلفة.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

707

متابعهم

829

متابعهم

3748

مقالات مشابة
-